عوالم الظلال والعهود

المشاهدات الفعلية للخبر 👁 Flag Counter


 

 بقلم/مؤمن الهواري


 الجزء الثالث 


لم يكن الهواء البارد الذي لامس ظهرها مجرد إحساس عابر، بل كان نفحة من عالم آخر، إعلانا صامتا عن حضور مهيب. 

تجمدت الفتاة في مكانها، لم تجرؤ على الالتفات، لكن قلبها كان يقرع طبولًا عنيفة في صدرها. كانت تعلم أن الملك كاندياس قد استجاب لندائها، وأن الحماية التي طالما بحثت عنها أصبحت الآن على بعد أنفاس منها. استمرت في تلاوة آية الكرسي بصوت يرتجف، لكنه كان يحمل في طياته إصرارا لا يلين، إيمانا راسخا بقوة الكلمات التي تتلوها. ومع كل آية، ازداد الإحساس بالبرودة، وكأن حجابًا رقيقا ينسدل حولها، يفصلها عن العالم الخارجي. لم تر الملك كاندياس بعينيها المجردتين، لكنها شعرت بوجوده، بكيانه العظيم الذي يملأ المكان. كان حضورا لا يطاق، لكنه في الوقت ذاته كان مبعث طمأنينة غريبة. شعرت وكأنها محاطة بدرع غير مرئي، حصن منيع ضد كل ما يتربص بها في عوالم الظلال. انتهت من تلاوتها، وساد صمت عميق، صمت لم يقطعه سوى دقات قلبها المتسارعة.

 في تلك اللحظة، سمعت صوتا خفيضا، عميقا، وكأنه يأتي من أعماق الأرض، يتردد صداه في أذنيها فقط. لم تكن كلمات بالمعنى المفهوم، بل كانت همسات تحمل في طياتها وعدا بالحماية، وتوجيها مبهما. أدركت أن الملك كاندياس قد أوفى بوعده، وأنها أصبحت الآن تحت حمايته. لم يكن الأمر يتعلق بالتحضير فحسب، بل كان عهدا، رباطا روحيا يربطها بكيان من عوالم أخرى.


 عاد رفيق دربها، الذي كان يراقبها من بعيد، ليجدها في حالة من السكون العميق، وجهها يشع بنور خافت، وعيناها تحملان نظرة مختلفة، نظرة من رأى ما لا يراه البشر. أدرك أن تحضير الملك كاندياس قد تم بنجاح، وأن الفتاة قد خطت خطوة أخرى في رحلتها الخطيرة. لم يعد قلقا عليها بنفس القدر، فوجود كاندياس كان ضمانة قوية ضد أي أذى قد يلحق بها من الجن السفلي، وخاصة من هند بنت الأحمر.


لكن هذا لم يعن نهاية المخاطر. فالحماية من الجن السفلي لا تعني الحماية من نفسها، من فضولها الجامح الذي قد يدفعها إلى مواجهة ما هو أعظم من قدرتها. كان يعلم أن الصراع مع هند بنت الأحمر لم ينته بعد، بل ربما بدأ للتو. فوجود حماية قوية مثل كاندياس قد يثير غضب هند أكثر، ويدفعها إلى استخدام أساليب أكثر شراسة. كان عليه أن يظل يقظا، أن يوجهها، وأن يكون مستعدا لأي طارئ.


بدأت الفتاة تشعر بتغيرات طفيفة في حياتها. أصبحت أكثر حدسا، وأكثر قدرة على استشعار الوجودات الخفية. كانت ترى أحلاما أكثر وضوحا، وتسمع همسات في أذنيها توجهها أحيانا، وتحذرها أحيانا أخرى. أدركت أن الملك كاندياس لم يكن مجرد حارس، بل كان مرشدا أيضًا، يفتح لها أبوابا جديدة للمعرفة في هذا العالم الغامض. كانت هذه الحماية الجديدة بمثابة سيف ذي حدين: قوة لا يستهان بها، ولكنها تحمل معها مسؤولية أكبر، وتحديات لم تكن لتتخيلها. وهكذا، استمرت رحلتها في عوالم الظلال، محمية بعهد، وموجهة بفضول لا ينتهي، نحو مصير لم يتضح بعد

اضف تعليق

أحدث أقدم