بقلم ايمان عبده
لم تكن ليلى تعرف وهي طفلة صغيرة أن البيت الذي ولدت فيه سيترك داخلها ندبة ستكبر معها عاما بعد عام
ولدت في بيت بسيط لا يملك الكثير من المال لكنه في نظرها كان يمكن أن يكون أجمل بيت في العالم لو كان الحب فيه متساويا
كان لها أخ واحد يكبرها بعامين وكان هو المفضل دائما في عيون أمها
إذا أخطأ سامحته
وإذا طلب شيئا حاولت أن توفره له
أما ليلى فكانت دائما تسمع الجملة نفسها
أنت بنت وهو ولد
وكانت تلك الجملة الصغيرة تكبر داخلها كل يوم
كانت تقف أحيانا أمام المرآة وتسأل نفسها
ترى ماذا ينقصني عنه
لم تكن تعرف الإجابة
كل ما كانت تعرفه أنها كانت تحتاج إلى حضن من أمها أكثر مما تحتاج إلى أي شيء آخر
لكن حضن الأم كان دائما يذهب إلى أخيها
أما ليلى فكانت تتعلم مبكرا كيف تبكي وحدها
لم يكن والدها أفضل حالا
كان كثير الغياب وكثير الغضب وكانت المشاكل بينه وبين أمها لا تنتهي
أصوات مرتفعة
أبواب تغلق بعنف
أيام طويلة من الصمت
ثم عودة للمشاكل من جديد
وفي وسط كل ذلك كانت ليلى تجلس في غرفتها وتضع يديها فوق أذنيها حتى لا تسمع شيئا
كانت تتمنى أن يكبر بها العمر سريعا
لم تكن تعرف أن بعض الأمنيات عندما تتحقق تأتي بثمن غال
ومع مرور السنوات بدأت أمها تبحث عن الهروب من حياتها
دخل رجل آخر إلى حياتها
ثم رجل آخر
وأصبحت الخيانة تتكرر حتى انكشف كل شيء
لم تفهم ليلى وقتها معنى الخيانة لكنها فهمت شيئا واحدا
أن بيتها لم يعد بيتا
انفصل الأب والأم
وكان عمر ليلى أربعة عشر عاما فقط
في ذلك العمر كانت تحتاج إلى أم تحتويها وأب يحميها
لكنها وجدت نفسها بين بيتين
الأم اختارت طريقا جديدا وتزوجت
والأب أيضا تزوج
أما ليلى فلم تجد مكانا تشعر فيه أنها تنتمي إليه
انتقلت من بيت إلى بيت
ومن حضن إلى آخر
ومن وعد إلى وعد
وفي داخلها طفلة صغيرة كانت لا تزال تنتظر أن يقول لها أحد
أنت مهمة
لكن لم يقلها أحد
كبرت ليلى وهي تبحث عن الحب في الأشخاص الخطأ
كلما دخل شاب حياتها ظنت أنه سيكون الرجل الذي سيعوضها عن كل ما فقدته
تتعلق به بسرعة
تمنحه كل مشاعرها
ثم تكتشف بعد فترة أنها كانت تبحث فيه عن أبيها
وعن أمها
وعن البيت الذي لم يكن موجودا
كانت علاقاتها تبدأ بسرعة وتنتهي بسرعة
وفي كل مرة كانت تخرج من علاقة تحمل جرحا جديدا
وبدلا من أن تتوقف وتسأل نفسها لماذا يحدث هذا
كانت تدخل علاقة أخرى
كانت تهرب من ألمها بدلا من أن تواجهه
مرت السنوات
ثمانية عشر عاما
عشرون
خمسة وعشرون
حتى وصلت ليلى إلى الثلاثين
وقفت ذات ليلة أمام المرآة
نظرت إلى وجهها طويلا
لم تر فتاة صغيرة فقدت حضن أمها
ولم تر طفلة كانت تخاف من أصوات الشجار
رأت امرأة في الثلاثين
لكنها شعرت في داخلها أنها ما زالت في الرابعة عشرة
ما زالت تنتظر
ما زالت غاضبة
ما زالت تبحث عن شخص ينقذها
نظرت حولها
لم يكن لديها مستقبل واضح
لا عمل تحلم به
لا هدف تسعى إليه
لا علاقة مستقرة
ولا حتى ثقة في نفسها
كانت قد قضت نصف عمرها وهي تعاقب نفسها على أخطاء لم تكن مسؤولة عنها
ثم جلست على الأرض وبدأت تبكي
لكن هذه المرة كان بكاؤها مختلفا
لم يكن بكاء طفلة تنتظر أحدا
كان بكاء امرأة أدركت أخيرا أن انتظار الآخرين لن ينقذها
قالت لنفسها
أنا لم أختر طفولتي
لم أختر انفصال أبي وأمي
لم أختر تفضيل أمي لأخي
ولم أختر أن أكبر وسط كل هذه الفوضى
لكنني الآن أستطيع أن أختار ماذا سأفعل بما تبقى من عمري
مسحت دموعها
وقفت أمام المرآة مرة أخرى
وقالت
ربما تأخرت
لكنني لم أنته
ومن تلك الليلة بدأت ليلى رحلة مختلفة
لم تبحث عن رجل جديد
بحثت عن نفسها
بدأت تتعلم
تعمل
وتضع أهدافا صغيرة
وتتعلم كيف تقول لا
وكيف تحب نفسها دون أن تنتظر شخصا آخر ليؤكد لها أنها تستحق الحب
وبعد سنوات فهمت الحقيقة التي لم يعلمها لها أحد وهي طفلة
أن الإنسان قد يولد في بيت مكسور
لكنه ليس مجبرا أن يموت داخله
وأن الماضي قد يفسر جراحنا
لكنه لا يجب أن يكتب نهايتنا
كانت ليلى في الثلاثين عندما بدأت حياتها الحقيقية
وكان أجمل ما اكتشفته أن بعض الناس لا يتأخرون في الحياة
هم فقط يحتاجون إلى لحظة واحدة يقررون فيها ألا يعيشوا بقية عمرهم أسرى للماضي
أما الطفلة التي كانت تبكي وحدها في غرفتها
فقد بقيت بداخلها
لكن ليلى هذه المرة لم تتركها وحدها
احتضنتها وقالت لها
أنا هنا
ولن أتركك مرة أخرى
.jpg)
إرسال تعليق