على هامش العمر

المشاهدات الفعلية للخبر 👁 Flag Counter


 

بقلم ايمان عبده

لم تكن ليلى تعرف وهي طفلة صغيرة أن البيت الذي ولدت فيه سيترك داخلها ندبة ستكبر معها عاما بعد عام

ولدت في بيت بسيط لا يملك الكثير من المال لكنه في نظرها كان يمكن أن يكون أجمل بيت في العالم لو كان الحب فيه متساويا

كان لها أخ واحد يكبرها بعامين وكان هو المفضل دائما في عيون أمها

إذا أخطأ سامحته

وإذا طلب شيئا حاولت أن توفره له

أما ليلى فكانت دائما تسمع الجملة نفسها

أنت بنت وهو ولد

وكانت تلك الجملة الصغيرة تكبر داخلها كل يوم

كانت تقف أحيانا أمام المرآة وتسأل نفسها

ترى ماذا ينقصني عنه

لم تكن تعرف الإجابة

كل ما كانت تعرفه أنها كانت تحتاج إلى حضن من أمها أكثر مما تحتاج إلى أي شيء آخر

لكن حضن الأم كان دائما يذهب إلى أخيها

أما ليلى فكانت تتعلم مبكرا كيف تبكي وحدها

لم يكن والدها أفضل حالا

كان كثير الغياب وكثير الغضب وكانت المشاكل بينه وبين أمها لا تنتهي

أصوات مرتفعة

أبواب تغلق بعنف

أيام طويلة من الصمت

ثم عودة للمشاكل من جديد

وفي وسط كل ذلك كانت ليلى تجلس في غرفتها وتضع يديها فوق أذنيها حتى لا تسمع شيئا

كانت تتمنى أن يكبر بها العمر سريعا

لم تكن تعرف أن بعض الأمنيات عندما تتحقق تأتي بثمن غال

ومع مرور السنوات بدأت أمها تبحث عن الهروب من حياتها

دخل رجل آخر إلى حياتها

ثم رجل آخر

وأصبحت الخيانة تتكرر حتى انكشف كل شيء

لم تفهم ليلى وقتها معنى الخيانة لكنها فهمت شيئا واحدا

أن بيتها لم يعد بيتا

انفصل الأب والأم

وكان عمر ليلى أربعة عشر عاما فقط

في ذلك العمر كانت تحتاج إلى أم تحتويها وأب يحميها

لكنها وجدت نفسها بين بيتين

الأم اختارت طريقا جديدا وتزوجت

والأب أيضا تزوج

أما ليلى فلم تجد مكانا تشعر فيه أنها تنتمي إليه

انتقلت من بيت إلى بيت

ومن حضن إلى آخر

ومن وعد إلى وعد

وفي داخلها طفلة صغيرة كانت لا تزال تنتظر أن يقول لها أحد

أنت مهمة

لكن لم يقلها أحد

كبرت ليلى وهي تبحث عن الحب في الأشخاص الخطأ

كلما دخل شاب حياتها ظنت أنه سيكون الرجل الذي سيعوضها عن كل ما فقدته

تتعلق به بسرعة

تمنحه كل مشاعرها

ثم تكتشف بعد فترة أنها كانت تبحث فيه عن أبيها

وعن أمها

وعن البيت الذي لم يكن موجودا

كانت علاقاتها تبدأ بسرعة وتنتهي بسرعة

وفي كل مرة كانت تخرج من علاقة تحمل جرحا جديدا

وبدلا من أن تتوقف وتسأل نفسها لماذا يحدث هذا

كانت تدخل علاقة أخرى

كانت تهرب من ألمها بدلا من أن تواجهه

مرت السنوات

ثمانية عشر عاما

عشرون

خمسة وعشرون

حتى وصلت ليلى إلى الثلاثين

وقفت ذات ليلة أمام المرآة

نظرت إلى وجهها طويلا

لم تر فتاة صغيرة فقدت حضن أمها

ولم تر طفلة كانت تخاف من أصوات الشجار

رأت امرأة في الثلاثين

لكنها شعرت في داخلها أنها ما زالت في الرابعة عشرة

ما زالت تنتظر

ما زالت غاضبة

ما زالت تبحث عن شخص ينقذها

نظرت حولها

لم يكن لديها مستقبل واضح

لا عمل تحلم به

لا هدف تسعى إليه

لا علاقة مستقرة

ولا حتى ثقة في نفسها

كانت قد قضت نصف عمرها وهي تعاقب نفسها على أخطاء لم تكن مسؤولة عنها

ثم جلست على الأرض وبدأت تبكي

لكن هذه المرة كان بكاؤها مختلفا

لم يكن بكاء طفلة تنتظر أحدا

كان بكاء امرأة أدركت أخيرا أن انتظار الآخرين لن ينقذها

قالت لنفسها

أنا لم أختر طفولتي

لم أختر انفصال أبي وأمي

لم أختر تفضيل أمي لأخي

ولم أختر أن أكبر وسط كل هذه الفوضى

لكنني الآن أستطيع أن أختار ماذا سأفعل بما تبقى من عمري

مسحت دموعها

وقفت أمام المرآة مرة أخرى

وقالت

ربما تأخرت

لكنني لم أنته

ومن تلك الليلة بدأت ليلى رحلة مختلفة

لم تبحث عن رجل جديد

بحثت عن نفسها

بدأت تتعلم

تعمل

وتضع أهدافا صغيرة

وتتعلم كيف تقول لا

وكيف تحب نفسها دون أن تنتظر شخصا آخر ليؤكد لها أنها تستحق الحب

وبعد سنوات فهمت الحقيقة التي لم يعلمها لها أحد وهي طفلة

أن الإنسان قد يولد في بيت مكسور

لكنه ليس مجبرا أن يموت داخله

وأن الماضي قد يفسر جراحنا

لكنه لا يجب أن يكتب نهايتنا

كانت ليلى في الثلاثين عندما بدأت حياتها الحقيقية

وكان أجمل ما اكتشفته أن بعض الناس لا يتأخرون في الحياة

هم فقط يحتاجون إلى لحظة واحدة يقررون فيها ألا يعيشوا بقية عمرهم أسرى للماضي

أما الطفلة التي كانت تبكي وحدها في غرفتها

فقد بقيت بداخلها

لكن ليلى هذه المرة لم تتركها وحدها

احتضنتها وقالت لها

أنا هنا

ولن أتركك مرة أخرى

اضف تعليق

أحدث أقدم