كتب/ماجد شحاتة
كشفت تصريحات باكستانية وتحرك إيراني متزامن داخل منظومة «بريكس» عن ملامح جديدة لإعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية والأمنية في الشرق الأوسط، في وقت تتجه فيه دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها بعيدًا عن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية.
وقال سفير باكستان لدى موسكو، فيصل نياز ترمذي، إن بلاده لا ترى مانعًا من انضمام إيران ومصر إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان، في إشارة إلى أن الاتفاق، بحسب الرؤية الباكستانية، يمكن أن يظل مفتوحًا أمام دول أخرى.
وكانت السعودية وتركيا وباكستان قد وقعت في 7 أغسطس الجاري اتفاقًا للدفاع المشترك في مكة المكرمة، ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا على الدول الأخرى، مع تعزيز التعاون والتنسيق الدفاعي بينها.
وتكتسب تصريحات السفير الباكستاني أهمية خاصة بسبب موقع إيران الجيوسياسي؛ فهي دولة ترتبط بعلاقات متشابكة مع السعودية وتركيا، وفي الوقت نفسه تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل في ملفات أمنية وسياسية شديدة الحساسية. كما أن باكستان تؤدي منذ أشهر دورًا في الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما يجعل حديث سفيرها عن إمكانية توسيع مظلة الاتفاق جديرًا بالمتابعة.
وفي التطور الاقتصادي الموازي، أعلن محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي أن بلاده ستنضم قريبًا إلى بنك التنمية الجديد، الذراع المالية لمجموعة «بريكس». ويأتي الإعلان قبيل اجتماع مالي لدول المجموعة في الهند، في خطوة تسعى طهران من خلالها إلى توسيع خياراتها التمويلية والتجارية في ظل العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة عليها.
وتأسس بنك التنمية الجديد عام 2014، وبدأ عملياته في 2015، بمبادرة من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، ويتخذ من شنغهاي مقرًا له.
ويتركز نشاطه على تمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة في الدول الأعضاء والاقتصادات الناشئة، وليس على تمويل العمليات العسكرية أو شراء الأسلحة كما قد توحي بعض التفسيرات المتداولة.
وتكمن أهمية الخطوة بالنسبة لطهران في أن عضوية البنك تمنحها قناة إضافية للوصول إلى التمويل التنموي والتعاون المالي مع مجموعة من الاقتصادات الكبرى، إلى جانب توسيع التعاملات بالعملات المحلية. وكان المسؤولون الإيرانيون قد سعوا منذ سنوات إلى الانضمام إلى البنك، باعتباره إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد على تقليل الاعتماد على النظام المالي الذي تهيمن عليه المؤسسات الغربية والدولار.
لكن الانضمام إلى بنك التنمية الجديد لا يعني تلقائيًا قدرة إيران على تجاوز العقوبات الأمريكية أو الحصول على تمويل مفتوح من دون قيود؛ فالبنك مؤسسة تنموية لها قواعدها وإجراءاتها، كما أن قدرة أي مؤسسة مالية على التعامل مع دولة خاضعة لعقوبات أمريكية تظل مرتبطة بالمخاطر القانونية والمالية التي تواجهها المؤسسات المتعاملة معها.
وتشير بيانات البنك الرسمية إلى أن عضويته توسعت خلال السنوات الماضية لتشمل بنغلاديش والإمارات ومصر والجزائر، ثم أوزبكستان، فيما توجد دول أخرى في مرحلة العضوية المرتقبة. ويؤكد ذلك أن البنك يتحول تدريجيًا إلى مؤسسة مالية أوسع نطاقًا من نواته الأصلية داخل «بريكس».
ويكتسب التطوران أهميتهما عند وضعهما في سياق واحد، لكن من دون القفز إلى استنتاج وجود تحالف عسكري إيراني وشيك مع السعودية وتركيا وباكستان. فالتصريحات الباكستانية يمكن قراءتها باعتبارها رسالة دبلوماسية تؤكد أن اتفاق مكة ليس بالضرورة إطارًا مغلقًا، كما يمكن أن تعكس رغبة إسلام آباد في إبقاء قنوات الحوار مع طهران مفتوحة.
أما من الناحية السعودية والتركية، فإن التقارب مع إيران لا يعني بالضرورة الانتقال إلى شراكة عسكرية كاملة. فبين الدول الثلاث ملفات خلافية ومصالح متعارضة، بينما يظل الهدف الأكثر واقعية في المرحلة الحالية هو احتواء التوتر، ومنع تحول المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، وتنويع خيارات الأمن الإقليمي.
ومن ثم، فإن الحديث عن «تحالف إسلامي» موحد في مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل لا يزال سابقًا لأوانه.
الأرجح أن المنطقة تشهد مرحلة من إعادة التموضع الاستراتيجي؛ إذ تسعى دولها إلى امتلاك خيارات متعددة بدل الاعتماد على طرف دولي واحد، سواء في الأمن والدفاع أو التجارة والتمويل.
وتأتي عضوية إيران المرتقبة في بنك التنمية الجديد ضمن هذا المسار؛ فطهران تحاول توسيع ارتباطاتها الاقتصادية مع دول «بريكس»، بينما تعمل السعودية وتركيا وباكستان على بناء ترتيبات دفاعية جديدة. وفي المقابل، تظل الولايات المتحدة لاعبًا رئيسيًا في أمن الخليج، ما يجعل التحولات الحالية أقرب إلى إعادة توزيع للأوراق والنفوذ منها إلى ولادة محور عسكري جديد مكتمل الأركان.
وبذلك، فإن التطور الأهم ليس مجرد احتمال انضمام إيران إلى اتفاق مكة أو عضويتها المرتقبة في بنك التنمية الجديد، وإنما اتساع هامش الخيارات الاستراتيجية لدول المنطقة، اقتصاديًا وأمنيًا، في ظل نظام إقليمي ودولي يشهد تحولًا متسارعًا.

إرسال تعليق