قبل أن يشتد عوده الجزء الثاني: الظرف البني

المشاهدات الفعلية للخبر 👁 Flag Counter





 

 بقلم/مؤمن الهواري

 لم يمد سالم يده إلى الظرف إلا بعد أن نام الجميع.

  كان البيت ساكنا، لكن سكونه لم يكن راحة. بدا كجسد متعب استسلم للنوم، بينما ظل قلبه مستيقظا تحت الغطاء. من الغرفة المجاورة جاء صوت أمه وهي تقلب جسدها فوق الفراش، ومن الخارج تسلل نباح كلب بعيد، ثم عاد كل شيء إلى الصمت. 


وضع سالم الظرف أمامه، وأشعل مصباح المكتب الصغير. كان الظرف قديما، اصفرت حوافه، وتسللت إلى ورقه رائحة الدكان؛ رائحة الخشب والغبار والقهوة التي كان أبوه يحتسيها في آخر النهار. 

ظل يمرر إصبعه فوق الكلمات المكتوبة على وجهه:

  «إلى سالم... عندما تظن أنك أصبحت قويا بما يكفي.» 

 كاد يضحك من مرارة العبارة. هل كان أبوه يعرف أنه سيأتي يوم يجلس فيه وحده أمام ورقة، خائفا من أن يجد فيها ما لا يستطيع حمله؟ أم أن الرجل، كعادته، كان يترك لكل شيء موعده، حتى للكوارث؟

فتح الظرف. خرجت منه ثلاث أوراق، وصورة قديمة للدكان، ومفتاح صغير صدئ، وورقة مطوية بعناية. بدأ بالورقة الأولى. كانت إقرارا بدين قديم، مؤرخا قبل أكثر من عشرين عاما، بمبلغ لم يكن قليلًا في ذلك الوقت. وفي أسفلها توقيع أبيه، وتوقيع رجل آخر اسمه «منصور الجبالي».


توقف سالم عند الاسم. كان يعرف منصور. كل أهل الحي يعرفونه. بدأ تاجرا صغيرا يبيع مواد البناء، ثم اتسعت تجارته حتى صار يمتلك مخازن وشاحنات وعمالًا. لم يكن يرفع صوته كثيرًا، لأن المال كان يرفع صوته نيابة عنه.

 قلب سالم الورقة، فوجد ملاحظة بخط أبيه:

 «أخذت المال لإنقاذ الدكان، وسددت نصفه. الباقي عند الأستاذ منصور، لأنه أخذ البضاعة ولم يدفع ثمنها.» 


 رفع سالم رأسه فجأة. 

- يعني إيه؟

 قالها لنفسه، ثم أعاد قراءة السطر. لم يكن أبوه مدينا لمنصور كما قالوا. كان بينهما حساب متبادل، وربما كان أبوه قد اضطر إلى توقيع ورقة ضمان حتى لا يخسر بضاعته ودكانه. 


 أما الورقة الثانية، فكانت نسخة من عقد، لكن جزءا منها مقطوع. ظل سالم يقلبها بحثا عن بقية الصفحات، فلم يجد سوى حافة ممزقة. عندها سمع صوتا خلفه.

 - فتحت الظرف؟ 

 استدار سالم، فوجد أخاه الأصغر واقفا عند الباب. كان وجهه شاحبا، وعيناه معلقتين بالأوراق. 


أخفى سالم الورقة بيده. 

- كنت مستنيك. دخل أخوه وأغلق الباب.

 - أنا ما كنتش عايز أمضي يا سالم. - لكنك مضيت.

 - كانوا هيحبسوني. 

رفع سالم عينيه إليه، ولم يصرخ. كان غضبه أعمق من أن يحتاج إلى صوت. 

مين كانوا؟ 

صمت الأخ. 

- اسمه إيه؟ 

- منصور الجبالي. 


 ساد بينهما صمت ثقيل. لم يشعر سالم بالمفاجأة؛ كان الاسم قد سبق الإجابة. لكنه شعر بشيء آخر، أشبه بقبضة باردة أغلقت على صدره. 


 قال أخوه: 

- أنا كنت محتاج فلوس. شغلي وقف، ومراتي كانت بتولد، والراجل قال لي هيساعدني.

 بعدين خلاني أمضي على الورقة. قال إنها مجرد ضمانة.

 - وإنت صدقته؟ 

- صدقته عشان كنت غرقان. 


 اقترب سالم منه، ثم توقف قبل أن يمد يده. كان يرى أمامه أخاه الصغير، لا الرجل الذي وقع الورقة. رأى خوفه القديم، ذلك الخوف الذي كان يسكنهم جميعا كلما ضاق الرزق، وكلما احتاج أحدهم إلى من ينقذه. 

 قال سالم بهدوء: 

- بكرة هنروح له.

 رفع أخوه رأسه.

 - لوحدنا؟ 

- لا. المرة دي مش هتستخبى ورايا. هتقف جنبي.


 في الصباح، لم تخبر الحاجة زينب أبناءها بما سمعته في الليل. كانت تعرف من طريقة سالم في ارتداء ملابسه أن الأمر أكبر من مشكلة عابرة. وحين هم بالخروج، نادته. 


- أبوك كان بيخاف من منصور. توقف سالم عند الباب.

 - إمتى؟ 

- قبل ما تموت بسنة. كان بيجيله الدكان كتير، وكل مرة يمشي أبوك متغير. - قال لك حاجه نظرت إلى الأرض. - قال لي:


 «لو حصل لي حاجة، خدي بالك من سالم. بس ما تقوليش له كل حاجة غير لما يقدر يشيلها». 


 بقي سالم ساكنا. شعر أن أباه، حتى بعد موته، ما زال يقرر له ما يحتمل وما لا يحتمل.

 - وإنت ليه ما قولتيليش؟ 

- عشان كنت شايلة همك من يوم ما كنت عيل. أبوك كان شايفك أقوى واحد، وأنا كنت شايفاك ابني. لم يجد سالم ردا. قبّل يدها، وخرج قبل أن تراه وهي تبكي. 


كان مكتب منصور الجبالي في الطابق الثاني فوق مخزن ضخم. رائحة الأسمنت والحديد تملأ المكان، والعمال يتحركون في الأسفل كأنهم جزء من آلة لا تتوقف. استقبلهما موظف صغير، ثم تركهما ينتظران أكثر من نصف ساعة. 


حين دخل منصور، كان يرتدي بدلة رمادية، ويحمل هاتفا في يده. نظر إلى سالم من أعلى إلى أسفل، ثم ابتسم ابتسامة باردة. 

- ابن عبد الرحيم. كنت مستنيك من زمان. 


قال سالم: 

- وإنت مستني إيه؟ 

جلس منصور خلف مكتبه. 

- مستني حد منكم ييجي يتكلم بعقل. أبوك كان عليه فلوس، وأخوك وقع، والورق سليم. أخرج سالم النسخة القديمة من جيبه ووضعها على المكتب.


 - الورق ده بيقول إن الحساب كان بينك وبين أبويا، مش إنك ليك البيت. مد منصور يده إلى الورقة، فنظر إليها سريعا. 

- حساب قديم، واتقفل من زمان.

 - لو اتقفل، إيه سبب طلبك لبيع البيت؟ 

تغيرت ابتسامته.

- البيت ضمانة. وأخوك وقع على إقرار جديد.

 قال الأخ بصوت متردد: 

- إنت قلت لي إنها ورقة مساعدة.

 - وأنا ساعدتك فعلًا. كنت عايز ترفض؟  

نهض سالم، ووضع كفيه على حافة المكتب.

 - اسمعني كويس. البيت ده مش ورقة في درجك. ده عمر رجل مات وهو فاكر إنه حامينا. لو عندك حق، هاته للمحكمة. إنما تهددنا وتدخل من باب الفقر، ده مش حق. 


 لأول مرة اختفت الابتسامة من وجه منصور.

 - أنت فاكر المنصب اللي وصلت له هيحميك؟ أنا أقدر أخلي الناس كلها تعرف إنك واقف على دين أبوك، وأقدر أطلع أخوك متهرب ومزور. البيت هيتباع، وساعتها كل واحد فيكم هياخد نصيبه من الخسارة. 


 أجابه سالم: 

- الخسارة مش إن البيت يتباع. 

الخسارة إننا نصدق إن الفلوس بتدي صاحبها الحق في كل حاجة. 

اقترب منصور منه، وقال بصوت منخفض:

 - أبوك كان فاهم الدنيا أكتر منك. عشان كده وقع. لم يرد سالم، لكن الجملة ظلت تلاحقه بعد أن خرج. 


 في المساء، اجتمع الإخوة في بيت الأم. وضع سالم الأوراق على الطاولة، وشرح لهم ما عرفه. لم يكد ينتهي حتى قال أخوه الذي يعمل خارج المحافظة: 


 نبيع ونخلص. كل واحد ياخد حقه، ومحدش يفضل شايل التاني. رفعت الأخت الكبرى رأسها. 

- تبيع بيت أبوك؟ -

 أبويا مات وسايب لنا دين، مش قصر.

 أنا عندي أولاد، ومش هضيعهم عشان حيطان

 قال سالم: 

- البيت مش حيطان، بس مش هنجبرك تضيع حقك. اللي هنعمله لازم يكون قانوني. 

ضحك أخوه بمرارة. 

قانوني؟ 

وإنت فاكر القانون هيعالج سنين الفقر؟

 إنت طول عمرك بتقرر عننا، ولما تحصل مصيبة تقول كلنا مسؤولين. 


سكت الجميع. 

 كانت الجملة قاسية، لكنها أصابت مكانًا ظل سالم يتجنبه. طوال سنوات، كان يحل مشاكلهم قبل أن يطلبوا، ويدفع عنهم قبل أن يعرفوا، ثم يغضب حين لا يلتزمون بما قرره. لم يكن يعرف أن الحماية، إذا زادت، تتحول أحيانًا إلى قيد. 


 في تلك الليلة عاد إلى بيته متأخرا. وجد زوجته جالسة في غرفة ابنتهما، والطفلة نائمة فوق كتبها. كانت قد انتظرته طويلًا. قالت دون أن تنظر إليه: 

- المدرسة بعتت لك جواب من أسبوع.

 - أي جواب؟

 ناولته ورقة.

 - بنتك محتاجة متابعة. 

المدرسة قالت إنها بتسأل عنك كل يوم. 


 نظر سالم إلى الطفلة. كانت نائمة وهي تحتضن دميتها، وعلى مكتبها رسم لبيت كبير، يقف أمامه رجل طويل يمسك أيدي أفراد عائلته. 


 سأل:

 - هي رسمتني؟ 

- رسمت أبا. وبعدين قالت لي:

 «بابا مشغول ينقذ الناس».

 خفض سالم رأسه.

 - أنا بعمل اللي أقدر عليه.

 - عارفة. 

بس إمتى هتقدر علينا إحنا؟ 


 لم يكن السؤال اتهاما. كان رجاء، ولهذا كان أشد ألما. في اليوم التالي، عاد سالم إلى الدكان القديم. كان مغلقا منذ وفاة أبيه، وقد غطى الغبار رفوفه. وضع المفتاح الصدئ في القفل الخلفي، فاستجاب الباب بصوت طويل، كأنه يفتح جرحا قديما. 


 تذكر كلام أمه، وتذكر صورة العقد الممزق. بدأ يبحث بين الصناديق، خلف الرفوف، وتحت الخزانة التي كان أبوه يحتفظ فيها بالدفاتر. 


بعد ساعة، وجد لوحا خشبيا غير ثابت. نزعه، فظهر تجويف صغير في الحائط. داخله دفتر أسود، مربوط بخيط، وبجواره إيصال قديم مختوم بختم مخزن منصور. 


 فتح سالم الدفتر. كانت الصفحات مليئة بحسابات دقيقة. بضاعة خرجت من الدكان، مبالغ دفعت، ومبالغ لم تدفع. وفي آخر الصفحات، وجد اسما تكرر أكثر من مرة، ليس اسم منصور، بل اسم رجل من داخل العائلة. ظل يحدق في الاسم، عاجزًا عن تصديق ما يراه. كان الاسم: أخوه الأكبر. وقبل أن يقلب الصفحة الأخيرة، سمع صوت باب الدكان يغلق من الخارج. 


رفع رأسه. لم يكن وحده. جاءه صوت رجل من الظلام: 

- كنت عارف إنك هتلاقي الدفتر يا سالم. شد سالم الدفتر إلى صدره، وقال: 

- مين؟ 

لم تأت الإجابة مباشرة. 

اقتربت خطوات بطيئة، ثم ظهر ظل رجل عند باب المخزن. 


قال الصوت: 

- أبوك ما كانش خايف من منصور. أبوك كان خايف من اللي جوه بيته.

 ـــ اشتعل المصباح فجأة، ثم انطفأ.

 وفي العتمة، سمع سالم صوت المفتاح يدور في القفل من الخارج. يتبع في الجزء الثالث...

اضف تعليق

أحدث أقدم