كتب: محمد الشعراوى
في ظل الاهتمام الإعلامي والجماهيري الواسع بأكبر وأضخم عملية تطوير وتحديث لحديقة الحيوان التاريخية بالجيزة، مع الحفاظ على معالمها التراثية وحماية الحيوانات النادرة، تبرز الحاجة للعودة إلى الجذور التاريخية الأولى لهذا المفهوم، حيث قدمت مصر القديمة أقدم نموذج مسجل لرعاية الكائنات الغريبة.
أول رحلة استيراد للكائنات الحية وتوثيقها العلمي
انطلقت سفن الأسطول التجاري للملكة حتشبسوت عبر مياه البحر الأحمر في واحدة من أعظم الرحلات الاستكشافية التي عرفها العالم القديم متجهة إلى "بلاد بونت". وقد أكد عالم المصريات الأمريكي البارز "جيمس هنري بريستد" (James Henry Breasted) في موسوعته الشهيرة "السجلات القديمة لمصر" (Ancient Records of Egypt)، من خلال ترجمته للنصوص الهيروغليفية الموجودة في "رواق بونت" بمعبد الدير البحري، أن البعثة عادت بكنوز حية غير مسبوقة. حيث نصت الترجمات على جلب إحدى وثلاثين شجرة بخور (أشجار المر) حية، تم اقتلاعها بجذورها ووضعها في سلال طينية، وهي تفصيلة دقيقة سجلها الفنان المصري القديم وتُرجمت حرفياً على يد "بريستد".
الأدلة الأثرية على أقدم حديقة نباتية وحيوانية
لم تكن هذه مجرد نقوش رمزية، بل أثبتت الحفائر الأثرية واقعيتها. فقد أعلن عالم الآثار السويسري "إدوارد نافيل" (Édouard Naville)، الذي قاد أعمال التنقيب في معبد حتشبسوت بالدير البحري بين عامي (1893 و1906)، عن اكتشاف مذهل؛ حيث عثر في الفناء الخارجي للمعبد على فجوات (حفر) دائرية عميقة في الصخر، ووجد بداخلها بقايا جذوع أشجار متحجرة، والتي أثبتت التحليلات لاحقاً أنها بقايا أشجار البخور التي جُلبَت من بونت وتمت زراعتها بالفعل في معبد حتشبسوت.
إلى جانب النباتات، أوضح عالم الآثار المتخصص في حيوانات مصر القديمة "باتريك هوليهان" (Patrick Houlihan) في دراساته حول الحياة البرية الفرعونية، أن الجداريات أظهرت بدقة استيراد حيوانات حية شملت الفهود، والزراف، وأنواعاً من القرود (مثل قرد البابون)، وكلاب الصيد. وأشار "هوليهان" إلى أن حتشبسوت لم تجلب هذه الحيوانات للذبح أو الاستهلاك، بل أمرت بإنشاء حدائق مفتوحة ملحقة بالمعبد لتوطينها.
كما تؤكد أبحاث البعثة الأثرية البولندية المصرية، التي تعمل على ترميم المعبد منذ عقود تحت إشراف علماء مثل "زبيغنيو شافرانكسي" (Zbigniew Szafrański)، وجود نظام هندسي للري وأحواض مائية (على شكل حرف T) صُممت خصيصاً لتوفير بيئة طبيعية تحاكي الموطن الأصلي لهذه الكائنات الأفريقية.
بهذه الأدلة المادية والنصية الموثقة على يد كبار علماء الآثار، يتأكد أن حتشبسوت أسست بالفعل أقدم نموذج معروف للحدائق البيئية التخصصية (Botanical and Zoological Gardens) في تاريخ البشرية، لتسبق بذلك العصر الحديث بآلاف السنين.


إرسال تعليق