السوشيال ميديا.. حين أصبحت الشاشة تعيد تشكيل الثوابت

المشاهدات الفعلية للخبر 👁 Flag Counter



 

بقلم/ امل صالح سليم


لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل أو متابعة الأخبار والصور بل تحولت إلى مساحة ضخمة لإعادة تشكيل الوعي خصوصا لدى جيل يقضي ساعات طويلة أمام شاشة الهاتف

 يتلقى منها أفكاره عن الحب والزواج والدين والأسرة والمجتمع قبل أن يسمع رأي أسرته أو معلمه.


المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها وإنما في الأفكار التي تمر من خلالها دون تدقيق وفي التكرار الذي يجعل الفكرة الغريبة مألوفة ثم يجعل المألوف وكأنه حقيقة لا تحتاج إلى نقاش.


ومن أكثر المساحات التي تستحق التوقف أمامها اليوم غرف الشات الصوتية فالصوت وحده قادر على صناعة حالة من الألفة والثقة. يجتمع عشرات الأشخاص حول متحدث يمتلك حضورا قويا فيتحول النقاش تدريجيا إلى تأثير والتأثير إلى قناعة والقناعة إلى سلوك.


وهنا تظهر قضية الزواج على الميديا بصورة مختلفة.


فقد أصبحت بعض المساحات الرقمية تعرض الزواج وكأنه مجرد تعارف سريع أو اتفاق بين شخصين بعيدا عن الأسرة والضوابط والمسؤولية وفي بعض النقاشات تظهر أفكار حول الجمع بين زوجين أو أشكال من العلاقات التي تصطدم بما استقر عليه الفقه الإسلامي بينما تطرح أحيانا بلغة جذابة تجعل المستمع يتعامل معها باعتبارها مجرد "اختيار شخصي".


والأخطر عندما تختلط حرية النقاش بحرية تغيير المفاهيم الدينية فليس كل ما يقال في غرفة صوتية رأيا علميا وليس كل شخص يتحدث بثقة صاحب معرفة دينية.


المشهد لا يتوقف عند الزواج.


فبعض غرف الشات تتحول إلى بيئات لترويج مذاهب أو تصورات دينية وفكرية بعيدة عن أصول الإسلام أو إعادة تفسير نصوص دينية خارج سياقها أو تقديم أفكار شخصية على أنها اجتهاد ديني ملزم. ومع تكرار الحديث عنها قد يفقد المستمع قدرته على التمييز بين المعلومة والاجتهاد وبين الرأي الشخصي والحكم الشرعي.


وهنا تكمن خطورة السوشيال ميديا

الفكرة لم تعد تحتاج إلى أن تكون صحيحة حتى تنتشر بل تحتاج فقط إلى أن تكون جذابة وقابلة للتكرار.


فالخوارزميات تكافئ التفاعل والمحتوى المثير يلفت الانتباه والمتحدث الأكثر قدرة على جذب الجمهور قد يصبح أكثر تأثيرا من المتخصص الذي يتحدث بهدوء ودقة.


ومع الوقت تبدأ عملية خطيرة وهادئة ما كان مستنكرا بالأمس يصبح موضوعا للنقاش وما كان موضوعا للنقاش يتحول إلى شيء "عادي"، وما أصبح عاديا قد يتحول عند البعض إلى ممارسة طبيعية.


وهنا لا يصبح الخطر في الهاتف نفسه وإنما في غياب المناعة الفكرية.


جيل اليوم يحتاج إلى أن يتعلم كيف يسأل من قال؟ وما دليله؟ وهل هذا رأي شخصي أم حكم ديني؟ وهل ما أسمعه يمثل الإسلام فعلا أم يمثل صاحبه فقط؟


فالدين لا يؤخذ من عدد المتابعين ولا من ارتفاع الصوت ولا من شعبية صاحب الغرفة كما أن الزواج ليس تجربة افتراضية يمكن إدارة تفاصيلها بمنطق التعليقات والمداخلات.


السوشيال ميديا صنعت عالما بلا أبواب يدخل إليه الجميع ويتحدث فيه الجميع ولذلك أصبحت مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية أكبر من أي وقت مضى ليس بمنع الشباب من التكنولوجيا وإنما بتعليمهم كيف يستخدمونها دون أن تسمح التكنولوجيا بأن تستخدم عقولهم.


وفي النهاية أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تتغير الكلمات التي نقولها بل أن تتغير معاييرنا لما هو صحيح وخطأ حلال وحرام مقبول ومرفوض دون أن نشعر أن شيئا قد تغير.


فالثوابت لا تسقط فجأة… أحيانا تبدأ بسؤال ثم فكرة ثم تكرار ثم اعتياد.

اضف تعليق

أحدث أقدم