بقلم/ امل صالح سليم
لم يعد الاحتلال في زمننا يحتاج إلى دبابات تعبر الحدود ولا طائرات تحلق فوق المدن ولا جنود يقفون على أبواب البيوت.
هناك احتلال أكثر هدوءا… وأكثر خطورة.
احتلال لا تسمع له صوتا ولا ترى له جنودا لكنه يدخل إلى عقلك كل يوم ويجلس أمامك بالساعات ويعيد تشكيل ما تفكر فيه وما تحبه وما ترفضه وما تعتبره طبيعيا.
إنه احتلال العقول عبر السوشيال ميديا ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي أصبح تأثيره أكثر تعقيدا وقدرة على الوصول إلى الإنسان.
السلاح الأقوى ليس بالضرورة ذلك الذي يطلق الرصاص.
أحيانا يكون السلاح الأقوى هو الذي يجعلك تطلق النار على أفكارك وثوابتك بنفسك.
تفتح هاتفك بحثا عن دقائق من الترفيه فتجد أمامك آلاف الرسائل والصور والمقاطع والأفكار يتكرر بعضها مرة بعد أخرى حتى يتحول الغريب إلى مألوف والمرفوض إلى مقبول والمقبول إلى أمر طبيعي لا يستحق السؤال.
وهنا تبدأ المشكلة.
الفكرة التي كانت تحتاج سنوات حتى تنتشر أصبح بإمكانها اليوم أن تصل إلى ملايين العقول خلال ساعات.
والأخطر أن المحتوى لا يصل دائما بصورة مباشرة بل قد يأتي في صورة ضحكة أو تريند أو تحد أو قصة عاطفية أو شخصية مشهورة ثم يحمل بداخله رسالة أكثر عمقا مما يبدو على الشاشة.
شيئا فشيئا قد تتغير معايير الإنسان.
يتغير مفهوم النجاح والجمال والحب والأسرة والخصوصية والاحترام والحرية وحتى معنى الانتماء.
والخطورة الحقيقية ليست في أن يشاهد أبناؤنا محتوى مختلفا عما تربينا عليه وإنما في أن يتحول التلقي المستمر إلى تشكيل للوعي دون قدرة على النقد والتمييز.
فالجيل الذي نتركه وحيدا أمام الشاشة لن تظل الشاشة بالنسبة إليه مجرد جهاز.
قد تتحول إلى معلم وصديق ومرجع ومصدر للقبول والرفض وربما إلى بديل عن الأسرة والمجتمع.
أما الذكاء الاصطناعي فهو يفتح مرحلة جديدة من هذه المعركة الفكرية لأنه قادر على إنتاج صور وأصوات ونصوص ومقاطع شديدة الإقناع وقد يجعل من الصعب أحيانا على المستخدم غير المتخصص أن يميز بين الحقيقي والمصطنع.
وهنا يصبح السؤال الأخطر:
من الذي يربي أبناءنا عندما ننشغل نحن عنهم؟
هل نترك الخوارزميات تختار لهم ما يرونه؟
هل نترك المؤثرين يحددون لهم ما يحبون؟
هل نترك غرف المحادثات تصنع لهم أفكارهم؟
هل نكتشف المشكلة بعد أن يصبح تغييرها أصعب؟
الحل ليس أن نحارب التكنولوجيا أو نغلق الهواتف ونعتقد أننا بذلك انتصرنا.
التكنولوجيا أصبحت جزءا من حياتنا والذكاء الاصطناعي أصبح واقعًا لا يمكن تجاهله.
لكن المطلوب هو أن نربي أبناءنا على امتلاك عقولهم قبل امتلاك أجهزتهم.
أن نعلمهم كيف يسألون: من نشر هذه الفكرة؟ ولماذا؟ وهل هي حقيقة؟ وما مصدرها؟ وهل تتفق مع قيمنا وثوابتنا؟ وهل ما أراه أمامي حقيقة أم صناعة رقمية؟
نحتاج إلى أب وأم يعرفان ما يشاهده أبناؤهما لا لمجرد التجسس عليهم وإنما للحوار معهم وحمايتهم
نحتاج إلى مدرسة لا تكتفي بالمناهج بل تعلم التفكير النقدي والثقافة الرقمية.
نحتاج إلى إعلام مسؤول ومحتوى يحترم عقل الإنسان بدلا من استغلال فضوله.
ونحتاج قبل كل شيء إلى جيل يعرف أن الحرية لا تعني أن تصدق كل ما يعرض عليك وأن الانفتاح لا يعني التخلي عن هويتك وأن التطور لا يعني هدم كل ما سبق.
المعركة الحقيقية اليوم ليست على الهاتف…
المعركة على الإنسان نفسه.
على عقله ووعيه وهويته وقدرته على التمييز.
ولذلك فإن إنقاذ أبنائنا لا يبدأ بمنعهم من العالم بل بتسليحهم بما يجعلهم قادرين على دخول هذا العالم دون أن يفقدوا أنفسهم داخله.
لأن أخطر لحظة ليست عندما يسيطر أحد على هاتفك…
بل عندما يسيطر على عقلك ثم يجعلك تظن أن الأفكار التي زرعها فيك هي أفكارك أنت.
وهنا يصبح الاحتلال كاملا…
دون طلقة واحدة.

إرسال تعليق