كرة القدم في مصر بين الماضي والحاضر من زمن الفن الجميل إلى عصر المصالح والاحتراف

المشاهدات الفعلية للخبر 👁 Flag Counter

 


بقلم طارق حسن

كرة القدم في مصر ليست مجرد لعبة تتنافس فيها الأندية على البطولات وليست تسعين دقيقة تنتهي بصافرة الحكم بل هي حكاية شعب عشق الكرة وصنع من مدرجات ذكريات لا تنسى وارتبطت بها أجيال كاملة عاشت الفرحة مع كل انتصار وحزن مع كل هزيمة

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل ما زالت كرة القدم المصرية تحتفظ بروح الماضي الجميل أم أن الزمن تغير وأصبحت المصالح تطغى على الموهبة والانتماء

الماضي الجميل حين كانت الكرة موهبة وانتماء

عندما نتحدث عن كرة القدم المصرية في الماضي فإننا نتحدث عن زمن كانت فيه الموهبة هي الأساس وكان اللاعب يصنع اسمه داخل الملعب قبل أن تصنعه الكاميرات وكانت الجماهير تذهب إلى المدرجات من أجل المتعة والتشجيع ومشاهدة النجوم الذين يمتلكون المهارة والروح القتالية

كانت أسماء مثل محمود الخطيب وحسن شحاتة وطاهر أبو زيد وحسام حسن وغيرهم من نجوم الكرة المصرية تمثل قيمة كبيرة في ذاكرة الجماهير وكان لكل لاعب شخصيته الخاصة وبصمته التي لا تخطئها العين

وعلى مستوى الأندية كانت المنافسة بين الأهلي والزمالك تحمل مذاقا خاصا وكانت مباريات القمة حدثا ينتظره الجميع وكانت الانتصارات تصنع تاريخا والهزائم تتحول إلى دروس تعود بعدها الفرق أكثر قوة

أما منتخب مصر فكان الحلم الذي يجمع المصريين تحت راية واحدة وكانت لحظات الانتصار تمنح الشارع المصري فرحة تتجاوز حدود الرياضة

الحاضر بين الاحتراف والمال وغياب الاستقرار

لا يمكن إنكار أن كرة القدم المصرية تطورت في جوانب عديدة فقد أصبحت هناك عقود احتراف وقيمة مالية أكبر للاعبين وانتشار واسع للإعلام الرياضي ووسائل التواصل الاجتماعي كما تطورت أساليب التدريب والتحليل الفني وأصبحت اللعبة صناعة اقتصادية ضخمة

لكن وسط هذا التطور ظهرت أسئلة صعبة تحتاج إلى إجابات واضحة

لماذا يشعر قطاع من الجماهير بأن المتعة الكروية تراجعت رغم زيادة الأموال التي تضخ في اللعبة

ولماذا تتكرر أزمات الإدارة والتعاقدات والمديونيات داخل بعض الأندية بينما تظل المواهب الشابة تبحث عن فرصة حقيقية لإثبات نفسها

ولماذا تتحول بعض القضايا الرياضية إلى معارك إعلامية لا تنتهي بدلا من أن تكون هناك حلول عملية تخدم الكرة المصرية

إن المشكلة ليست في الاحتراف نفسه ولا في حصول اللاعب على مقابل مادي يليق بموهبته ولكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المال أهم من المشروع الرياضي وعندما تغيب الرؤية طويلة المدى ويصبح القرار الإداري أسير ردود الأفعال والضغوط الجماهيرية

اللاعب المصري بين الأمس واليوم

لا يجوز أن نظلم الجيل الحالي من اللاعبين فهناك مواهب تمتلك إمكانات كبيرة وقدرات فنية مميزة وهناك لاعبون يقدمون مستويات تستحق التقدير لكن الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة نجم كبير

فاللاعب يحتاج إلى إعداد بدني ونفسي سليم وانضباط داخل الملعب وخارجه كما يحتاج إلى مدرب يعرف كيف يطور قدراته وإدارة توفر له بيئة مستقرة تساعده على النجاح

وفي الماضي كان كثير من اللاعبين يصنعون أسماءهم عبر سنوات من العطاء والاستمرارية أما اليوم فإن بعض النجوم يجدون أنفسهم تحت ضغط الشهرة والأموال والمقارنات المستمرة قبل أن يحققوا إنجازات حقيقية

وهنا يأتي دور الإعلام في توجيه النقد الموضوعي والابتعاد عن صناعة النجومية الوهمية وعدم تحويل كل لاعب يتألق في مباراة واحدة إلى أسطورة جديدة

الناشئون هم مستقبل الكرة المصرية

إذا كانت هناك أزمة حقيقية في كرة القدم المصرية فإن جزءا مهما من الحل يبدأ من قطاع الناشئين

فلا يمكن أن نحلم بمنتخب قوي وأندية تنافس قاريا دون اكتشاف المواهب مبكرا وتوفير مدربين مؤهلين وملاعب مناسبة وبرامج تطوير حقيقية

كما يجب أن تكون الأولوية للكفاءة والموهبة بعيدا عن المجاملات وأن يحصل اللاعب المتميز على فرصته مهما كان اسم النادي الذي ينتمي إليه

إن الاستثمار في الناشئين ليس رفاهية بل ضرورة رياضية واقتصادية لأن النادي الذي يصنع لاعبيه يمتلك فرصة لبناء فريق قوي وتوفير النفقات وتحقيق الاستقرار على المدى الطويل

الإدارة الرياضية بين الأمس والحاضر

في كرة القدم الحديثة لا يكفي أن يمتلك النادي جماهيرية كبيرة أو تاريخا عريقا حتى يحقق النجاح فالإدارة الناجحة تحتاج إلى تخطيط مالي واضح ورؤية فنية مستقرة وشفافية في التعاقدات وقدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة

ولذلك فإن الأندية المصرية مطالبة بالانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المشروعات الرياضية فلا يعقل أن تبدأ كل مرحلة جديدة بوعود كبيرة ثم تنتهي بصراعات وتصريحات متبادلة دون محاسبة واضحة على النتائج

كما أن اتحاد الكرة ورابطة الأندية وسائر المؤسسات المعنية مطالبون بتطوير المسابقات وتحسين مستوى التنظيم ودعم التحكيم وتطبيق اللوائح بعدالة على الجميع

فالعدالة والشفافية ليستا شعارات ترفع عند الخلاف بل أساس الثقة بين المؤسسات والأندية والجماهير

الإعلام الرياضي بين الرسالة والإثارة

كان الإعلام الرياضي وسيظل شريكا أساسيا في تطور اللعبة لكن هذه المسؤولية تفرض عليه أن يفرق بين النقد المهني والتجريح وبين تحليل الأداء وإشعال التعصب

الجماهير لا تحتاج إلى مزيد من الصراعات اليومية بقدر ما تحتاج إلى معلومات دقيقة وتحليل فني حقيقي ومحاسبة موضوعية للمسؤولين عن القرارات الخاطئة

ومن حق الصحفي أن يسأل ومن حق الجماهير أن تعرف ومن واجب المؤسسات الرياضية أن تتعامل مع النقد باعتباره جزءا من الإصلاح لا تهديدا لها

فالكرة المصرية لن تتقدم إذا أصبح الانتصار مبررا لكل الأخطاء وأصبحت الهزيمة سببا لتصفية الحسابات

كيف تعود الكرة المصرية إلى مكانتها

العودة إلى أمجاد الماضي لا تعني أن نعيش على الذكريات بل أن نتعلم منها ونبني للمستقبل

نحتاج إلى مسابقات أكثر انتظاما وإدارة محترفة للأندية واستثمار حقيقي في الناشئين وتطوير مستمر للمدربين والحكام واهتمام باللياقة البدنية والتحليل الفني

ونحتاج أيضا إلى منح المنتخبات الوطنية الاستقرار والدعم مع المحاسبة على النتائج والأداء وفقا لمعايير واضحة

والأهم من ذلك كله أن تعود مصلحة كرة القدم المصرية فوق المصالح الشخصية وأن يكون معيار النجاح هو ما يتحقق داخل الملعب وخارجه وليس ما يقال أمام الكاميرات

كلمة أخيرة

كرة القدم المصرية تمتلك تاريخا كبيرا وجماهيرية استثنائية ومواهب قادرة على صناعة الفارق لكنها تحتاج إلى إرادة حقيقية للإصلاح وإلى رجال يدركون أن المناصب مسؤولية وليست وجاهة وأن تاريخ الأندية لا يحميها من التراجع إذا غاب التخطيط والعمل

الماضي كان جميلا بما قدمه من نجوم وذكريات وإنجازات والحاضر يمتلك أدوات وإمكانات أكبر لكنه يحتاج إلى إدارة تعرف كيف تستثمر هذه الإمكانات

والسؤال الذي سيظل مطروحا أمام كل مسؤول عن اللعبة هل نريد كرة قدم مصرية تكتفي بحكايات الماضي أم نريد واقعا جديدا يجعل الأجيال القادمة تروي بفخر إنجازات صنعتها في الحاضر

كرة القدم المصرية لا ينقصها التاريخ ولا الجماهير ولا المواهب وإنما ينقصها أن تتفق المؤسسات على أن مصلحة اللعبة أهم من أي مصلحة أخرى


اضف تعليق

أحدث أقدم