بقلم/ سماح سليمان
هناك لحظات في عمر الأوطان لا يكفي أن نتذكرها بل يجب أن نتوقف أمامها ونسأل أنفسنا ماذا تركت لنا وماذا تعلمنا منها
وأكتوبر واحد من تلك اللحظات التي تجاوزت حدود الزمن لتصبح جزءا من وجدان المصريين
في السادس من أكتوبر عام 1973 بدأت القوات المصرية عملية العبور لقناة السويس واقتحام خط بارليف في واحدة من أبرز محطات التاريخ العسكري المصري وقد وثقت وزارة الدفاع مراحل الحرب والعبور والتخطيط لها في أرشيفها الرسمي
لكن أكتوبر بالنسبة لنا ليس مجرد تفاصيل عسكرية ولا صورا قديمة نعود إليها كل عام
أكتوبر حكاية إنسان مصري آمن أن الأرض تستحق وأن الكرامة لا تُستعاد بالأمنيات وأن وراء كل هدف كبير ثمنا وتضحيات
حكاية جندي ترك بيته وهو يعرف أن هناك أما قد تنتظره وأن هناك أسرة تخشى عليه لكنه ذهب لأنه كان يعرف أن الوطن أكبر من خوفه
وحكاية أم كانت تخفي دموعها حتى لا يصل خوفها إلى قلب ابنها
وحكاية شعب كامل كان ينتظر لحظة يرى فيها العلم المصري مرفوعا على الضفة الأخرى
لهذا فإن قيمة أكتوبر لا تكمن فقط في أننا انتصرنا في معركة وإنما في أن مصر استطاعت أن تثبت أن الإرادة حين تتحول إلى تخطيط وعمل وتضحية يمكنها أن تغير واقعا ظنه البعض مستحيلا
وهنا تبدأ الحكاية التي تخصنا نحن
فهل ما زلنا نملك روح أكتوبر في حياتنا
هل عندما نواجه مشكلة نبحث عن الحل أم نستسلم لأول طريق مغلق
هل عندما نفشل مرة نعتبرها النهاية أم نبدأ من جديد
هل نربي أبناءنا على أن النجاح يأتي بلا تعب أم نعلمهم أن كل إنجاز حقيقي وراءه صبر وعمل ومسؤولية
أكتوبر يعلمنا أن النجاح لا يبدأ من لحظة الوصول وإنما يبدأ من لحظة القرار
قرار أن نحاول
قرار أن نتحمل
قرار أن نكمل الطريق حتى عندما لا يكون الطريق سهلا
ولأن الوطن ليس فقط حدودا على خريطة فإن الحفاظ عليه يبدأ من كل واحد فينا
من الطبيب الذي يؤدي عمله بإخلاص
من المعلم الذي يصنع جيلا واعيا
من العامل الذي يتقن مهنته
من الصحفي الذي يحترم الحقيقة
من الأم التي تزرع القيم في أبنائها
ومن كل مصري يعرف أن دوره مهما كان بسيطا فهو جزء من صورة أكبر اسمها مصر
لقد كان التخطيط والإعداد والعمل الجماعي من العناصر التي وثقتها المصادر الرسمية في التحضير لحرب أكتوبر كما تؤكد وثائق القوات المسلحة أن التخطيط الاستراتيجي للحرب مر بمراحل دقيقة ومدروسة
وهذه ربما واحدة من أهم رسائل أكتوبر لنا اليوم
لا يكفي أن نحلم
ولا يكفي أن نتمنى
ولا يكفي أن نتحدث عن النجاح
علينا أن نستعد له
أن نعمل من أجله
وأن نؤمن أن كل خطوة صغيرة في طريق صحيح يمكن أن تقود إلى نتيجة كبيرة
وفي كل عام يأتي أكتوبر ليضع أمامنا صورة وطن لم يسمح للهزيمة أن تكون آخر الحكاية
صورة شعب عرف كيف يقف من جديد
وجيش حمل مسؤولية العبور
وأبطال دفعوا ثمن النصر من أعمارهم وأرواحهم
ولهذا فإن احترام أكتوبر لا يكون بالاحتفال به فقط
بل بأن نكون جديرين بما تركه لنا
أن نختلف دون أن نكره بعضنا
أن نعمل دون أن ننتظر التصفيق
أن ننجح دون أن ننسى من سبقونا
وأن نترك لأبنائنا وطنا يعرفون قيمته كما عرفه آباؤهم
أكتوبر سيظل في ذاكرة مصر لأن هناك أشياء لا يملك الزمن أن يمحوها
دم شهيد
دعاء أم
خطوة جندي
وعلم ارتفع ليقول إن مصر قادرة على العبور
أكتوبر ليس مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام
أكتوبر حكاية وطن علمنا أن الطريق مهما كان صعبا فإن الإرادة والعمل والتضحية قادرة على صناعة العبور
وتبقى مصر دائما حكاية لا تنتهي

إرسال تعليق