للكاتب/ وجيه نزيه
في بيتنا الخاص الذي كنا نمتلكه يوماً ذات الثلاث طوابق و حديقته الغنامة بالورود و قصريات الياسمين .. و إذ في فصل ربيع يوم الجمعة و بتمام الساعة التاسعة صباحاً تدق صوت أجراس ساعات التنبيه المتواجدة في كل غرفة .. و التي تشكل لنا مصدر ضجيج مُزعج للغاية عند إستيقاظنا من فراش نومنا الهادئ لي و لأخواتي .. و بالأخص ساعة البندول النحاسية المعلقة بالحائط و المُتواجدة في الصالة .. و التي دائماً يمر بها العطل و صيانتها من حين لأخر عدا ذلك اليوم فلا تعطل أبداً .. فإنها مشاركة في هذا الإثم الذي يقلق راحتنا حينها .. و بغض النظر عن تجهيزات مائدة الفطور التي اختص بها دوناً عن غيري في شراء مُتطلبات البيت من السوق بالإضافة إلى تلبية إحتياجات باقي الطيور من فراخ و أوز كانت تعتني بتربيتهم أمي بروف سطح بيتنا .. فإن لها هواية بذلك رغم نشأتها الأستقراطية .
و كان والدي يضبط ساعات منبهاتنا بإحترافية شديدة عند وضعهم فوق رؤسنا و بالقرب من أُذننا .. و كان يسبق ذلك بفجر يوم الجمعة بعد قرائته سورة الكهف مع والدتي بغرفتهما .. و يستأنسوا مجلسهم بشراب الحليب الدافئ و كنت أصغر اخواتي كما ذكرت .. حيث فارق اعمارهم تجاهي يفوق العشر أعوام .. و كنت اتسلل خفيتاً لأجل مشاركتي معهما شراب الحليب عند إستيقاظي من نومي بهذا الوقت فجراً كعادتي اليومية للذهاب إلى مدرستي حينها .. و كانت لي حُجة أني نسيت ذلك اليوم فإنه إجازة للجميع .
و كان لذلك اليوم طقوس لا تُنسي .. حيث يسرع أبي في دخوله الخلاء مٌصطحبني معه لأجل الإستحمام و التطيب و انا ابن السابعة من العمر .. و من بعد ذلك يأتي أخي و اخواتي البنات بالدخول علي وجه الترتيب كلاٌ في إنتظار الأخر .. و اتذكر في يوم من أيام الجمعة قد اوقعت بالخطأ رفاً مُثبتاً بحائط الخلاء كان قد وُضع عليه علبة صفراء اللون لمسحوق تنظيف الملابس لمنتج حينها يُسمي ( رابسو ) و كيساً ازرقاً يُسمي ( زهراً ) كان يُستخدم مع غلي الملابس البيضاء لزيادة تبييض لونها الزاهي آنذاك .. في حين انسكب كل هذا و انخرط في حوضاً مطولاً كبيراً مُثبت بأرضية الخلاء ( البانيو ) و الممتلئ بالمياة بغرض الإستخدام عند وقت إنقطاع المياة .. فأغلقت باب الخلاء عليّ لفترة طويلة حتي اتمكن من إسترجاع الموقف كما كان عليه بالسابق بقدر الإمكان .. و ها قد حدث و لا احد يعلم بذلك إلا بعد مرور الوقت بطبيعة الحال .
و سأعود مُسترسلاً فيما اُعنيه بعد الإستحمام و التطيب و هو الذهاب للتبضع من الأسواق .. حيث اختلف كثيراً في ذلك اليوم مع أخي الكبير بأمور مشتريات البيت .. و كانت تلازمني شنطة بلاستيكية كبيرة لجلب الخضار فيها و ما شابه .. و كانت تشبه في مظهرها كمثل الشنط المخصصة للنساء فكنت اُحرج جداً بحملها .. و عادتاً مع أخي نلتقي بعد مشاوير و اتجاهان مُختلفان فنصعد سوياً إلي المطبخ و نضع ما قمنا بشراءه و تنتهي مهمتنا عند ذلك .. و حينها تأتي امي فتقوم بإستلام ما تبقي من خلالنا من أموال .. و بعدها تستخدم ميزاناً صغيراً لوزن ما تم إستلامه .. و كانت وقتها بمثابة لحظة مُحاسبة النفس علي صراط مٌستقيم .
و كان أبي في ذلك اليوم يمتاز بعدة أفعال و عادات .. حيث بعد انتهاءه من قراءاته للصحف يأتي بمبخرة يُوضع بها أشياء و خليط لا اعرفه سوي نوع من ذلك يُسمي ( عين الشيطان ) و كنت اخاف من ذلك الخرز الأسود و به نقطة حمراء كمثل العين .. و اراقبها بالمبخرة و هي تحترق و تصدر أصواتاً .. ثم يُوتي بزيت الزيتون لإستخدامه في إعداد الفطور و كافة الأطعمة بهذا اليوم فقط دوناً عن غيره .. و يتم تشغيل الراديو بتوجيه إشارة موجات إذاعة القرآن الكريم و كانت من نصيب التقديم من خلال : ( الاذاعي/ محمد بسيوني ) و التلاوة القرآنية للقارئ : ( الشيخ/ محمد نعينع ) و من ثم تُفترش السُفرة بإحضار الفطور من خلال اخواتي البنات و تأتي أمي في ختام ذلك .. و اتذكر لأقربائنا بشهادة قولهم يأتون بزيارتنا لأجل مشاركتهم معنا هذا الفطار فقط من كثرة تنوعه و طعمه المُحبب لديهم و من بين هذا ( المجدوس ) و ( طعمية الحمص ) و غيره .
و عند ختام الإذاعة بتلاوة القرآن الكريم .. نكن قد أنهينا تناول فطورنا و من ثم نُهرول مسرعين أبي و أخي و أنا مُتجهين جمعاء إلي زاوية مسجد صغير و قريب لدينا .. و كان صاحبهُ و إمامهُ الشيخ/ جمعة الصفتي .. و عند إلتقاء عودتنا سوياً في كل مرة تصادفنا امي التي قامت بذبح شيئاً من فراخ او أوز أو ما يُملي عليها من إختيار .. و انا انظر إليها في خوف و ترقب شديد عند مروري بجوارها .. و ألاحظ يدها المنغمستين بالدماء ممسكتاً سكيناً مُنغمس ايضاً بتلك الدماء التي تُسيل من عليه في طبق بلاستيكي فاتح اللون كبير يسع و يحتوي علي ضحاياه .. في كل مرة يصادفني ذاك المشهد برؤية ام عيني فأعترض علي تناول هذا الطعام .
و حينها كانت بيوتنا عامرة بخيرات الله و فضله و مازالت كمال نعمتهُ عليكم و علينا .. فتنشغل امي في مملكة مطبخ بيتها و كان لها انفاس طيبة بكافة تحضيراتها .. و ننشغل نحن بصحبه أبي بمشاهدة ( برنامج : حديث الروح ) لفضيلة الإمام/ محمد متولي الشعراوي ( رحمة الله عليه ) و يليه البرنامج العلمي الشهير ( عالم الحيوان ) و ينقضي الوقت السعيد من الصباح الباكر إلى عصراً بطقوس ذاك اليوم المُميز و بين توافد زيارات أبناء العائلة .. و نلتف حول ما طاب إحضاره إلي السُفرة من ( شركسية ) او ( كشك ) و خلافه مع سلطة الخضار و الطماطم الأساسية فهي مأكولات و أطعمة شهية اتذكرها من يد أمي لا مثيل لها .
#مُقتطفات_مُختارة


إرسال تعليق