كتبت / ايناس العرابى
تعد الحاجة فرحانة حسين سالم سلامة، الشهيرة بأم داود، من مدينة الشيخ زويد، احد امثلة نضال المرأة السيناوية والمصرية المشرفة، حيث أن الحاجة فرحانة التى تخطت المئة عام من العمر، تحمل ذكريات بطولية ووطنية خالصة، جعلتها رمزًا للنضال بين أبناء سيناء ودعامة لخدمة الوطن فى أصعب المواقف.
نبدأ حكاية الحاجة فرحانه والتى تعرف فى سيناء باسم أم داود نسبة لابنها الاكبر، ويروى الحكاية نجلها عبد المنعم وهو نجلها الأصغر الذى تعيش معه فى شقة بحى ضاحية السلام بالعريش، أن البدايات بعد نكسة عام 1967، حيث اضطرت أم داود وعائلتها للهجرة من سيناء، مصطحبة معها ست عائلات أخرى، إلى منطقة سمالوط بالمنيا، ثم إلى مديرية التحرير بمحافظة البحيرة. ولكن، لم تستسلم لواقع اللجوء؛ بل قررت، بدافع حبها العميق للوطن، الانخراط فى خدمة بلدها، لتكون إحدى السيدات السيناويات اللاتى شاركن فى النضال الوطنى ضد الاحتلال الإسرائيلى.
حيث طلبت أم داود من أحد مشايخ سيناء التوسط لها للعمل مع المخابرات المصرية. ولأنها تعمل فى تجارة الأقمشة والملبوسات، كانت تتنقل بين القاهرة وسيناء، متخذة من ذلك ستارًا لنقل المعلومات عن تمركزات العدو وتحركاته فى سيناء. حيث تمكنت رغم عدم إجادتها للقراءة والكتابة من تسجيل ورصد تفاصيل مهمة، حيث كانت تحفظ الرموز على سيارات العدو وترسمها على الرمال حتى تسلمها لضباط المخابرات.
واثناء رحلاتها التجارية، مرت أم داود على العديد من النقاط الاستراتيجية فى سيناء، وسجلت بذاكرتها ما شاهدته من تحركات وأعداد الجنود والدبابات، مما كان له أثر كبير فى نقل معلومات دقيقة للمخابرات الحربية المصرية.
حيث أنه فى إحدى المهام، تم تكليفها بنقل خرائط ومعلومات سرية من سيناء إلى القاهرة، حيث كانت تقيم عند المجاهد اشتيوى الحبانين بوسط العريش وتستلم منه المعلومات. ومن خلال طرق وعرة وخطرة، كانت أم داود تقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، تسترشد بالنجوم حتى تصل إلى النقاط المتفق عليها، مثل منطقة الدهيشة والقصب والهبش، حيث تنتقل بعد ذلك عبر وسائل نقل مختلفة.
وفى مهمة أخرى، تلقت خريطة لمطار الجورة فى الشيخ زويد، وأخفتها داخل ثوبها بعد خياطتها، ثم تمكنت من إيصالها إلى القاهرة بنجاح. لم تكتفِ أم داود بنقل الخرائط فحسب؛ بل حملت أيضًا أسلحة وصورًا فوتوغرافية لمستعمرات إسرائيلية فى الشيخ زويد، بفضل جسارتها وتخفيها الذكى.
وفى إحدى المهمات، أوقفتها نقطة تفتيش مصرية عند القنطرة، حيث تم العثور على فيلم مخبأ فى "الصوفية" وهى الحزام الذى تلف بها وسطها وعند اكتشافه، قام الضابط المصرى بتكريمها ومنحها وجبة تكريمية، قبل نقلها إلى القاهرة لاستكمال المهمة. كما كانت أم داود تُرسل رسائل مشفرة عبر الإذاعة إلى المجاهدين فى سيناء؛ عند نجاح مهمتها حيث كانت تبعث سلامها عبر الراديو، مما جعل المجاهدين يحتفلون ويوزعون الحلوى فرحًا بنجاح العملية.
وحتى حينما سقطت فى قبضة المخابرات الإسرائيلية؛ حيث تظاهرت بالموافقة على التعاون معهم وطلبوا منها تجنيد أشخاص بالقاهرة، لتعود وتبلغ المخابرات المصرية بالتفاصيل، وتحافظ على سرية مهامها حتى عادت إلى سيناء فى الثمانينات بعد تحريرها.
بعد سنوات من النضال، تظل أم داود رمزًا للإنسانية والتواضع وفى مبادرة كريمة، تبرعت بخاتمها الذهبى الوحيد لصالح بناء مستشفى حياة للأورام بسيناء. كما تعتبر ملهمة للعديد من الشخصيات السيناوية، حيث يزورها الإعلاميون ورواد العمل المدنى طلبًا لنصائحها وحكمتها الحياتية، مما جعلها شخصية محبوبة ومحترمة فى المجتمع.
وتقديرا لهذا الدور المشرف وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسى، بإنشاء حى باسم "الحاجة فرحانة" فى سيناء ومحور بالقاهرة تقديرا لمجهوداتها، وذلك خلال كلمته باحتفالية اتحاد القبائل العربية والعائلات المصرية.

إرسال تعليق