كتب/ ماجد شحاتة
في أعقاب وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفلسطينيين، تشهد تل أبيب موجة غير مسبوقة من الاضطراب الداخلي والانكشاف الأخلاقي، تتجاوز حدود الخسائر الميدانية إلى أزمة هوية تضرب عمق المجتمع الإسرائيلي ذاته.
فبحسب ما أورده الصحفي الإسرائيلي إيتامار إيشنر في صحيفة يديعوت أحرونوت، فإن ما تعيشه إسرائيل اليوم “ليس مجرد فضائح إعلامية كما يبدو للناس، بل بداية انكشاف أخلاقي جماعي داخل المجتمع الإسرائيلي”، في إشارة إلى التناقض الحاد بين الخطاب الأخلاقي التقليدي الذي لطالما تغنّت به إسرائيل وبين ممارساتها على أرض الواقع.
وبعدما كانوا ينددون لمفهوم طهارة السلاح باتت اليوم مرادفًا لجرائم حرب، بينما يعلن العديد من الكتّاب والمحللين في الصحف العبرية تبرّؤهم من الجيش، معتبرين أن ما حدث ليس فشلًا عسكريًا فقط، بل انهيارًا نفسيًا وثقافيًا.
صحيفة هآرتس بدورها كتبت لأول مرة تصريحًا صادمًا: “الاحتلال خسر الحرب في الوعي العالمي حتى لو كسبها بالنار”. وهو ما يعكس إدراكًا داخليًا بأن الهزيمة هذه المرة جاءت على مستوى الصورة والضمير، لا في ميادين القتال وحدها.
خارجيًا، تواجه إسرائيل عزلة متزايدة في أوروبا، بينما يتداعى داخلها الإيمان بالمؤسستين اللتين كانتا تمثلان ركيزتي الثقة: الجيش والإعلام. وحتى المشاهد الرمزية، مثل ما حدث في مباراة أوسلو الأخيرة، لم تكن عابرة؛ إذ كشفت عن تحوّل الموقف الشعبي الأوروبي، من التعاطف مع إسرائيل إلى إدراكها كقوة استعمارية جديدة تشبه من كانت تدّعي أنها ضحيته.
أما اعتراف المتحدث العسكري الإسرائيلي بإصابة نحو ٢٠ ألف جندي، فكان بمثابة كسرٍ غير مسبوق لقاعدة الصمت التي التزمتها المؤسسة العسكرية منذ عام 1948، إذ لم تعترف إسرائيل من قبل بهذا القدر من الضعف، ما يشير إلى دخولها في مرحلة إنكار للواقع تتسم بما يسميه علم النفس السياسي بـ
“الصدمة الجماعية الممتدة”
وفيما يراقب العالم هذا التحوّل، صدرت مواقف دولية وعربية متباينة؛ فقد دعت عواصم أوروبية إلى تحقيق شفاف في الانتهاكات بحق المدنيين، بينما طالبت عدة دول عربية بإعادة النظر في العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب، مؤكدين أن ما جرى “ليس حربًا للدفاع عن النفس، بل اعتداء على القيم الإنسانية ذاتها”.
أما على المستوى الشعبي، فقد تصاعدت الدعوات في العواصم الغربية لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية، فيما اعتبر مراقبون أن الوعي العالمي بدأ يضع الكيان ليرى نفسه على حقيقتها لأول مرة منذ قيامه.
خلاصة المشهد:
إسرائيل اليوم لا تواجه فقط أزمة سياسية أو عسكرية، بل انكشافًا أخلاقيًا يهدد سرديتها الوجودية أمام نفسها وأمام العالم والكيانٌ بدأ يفقد أدواته الدعائية قبل أن يفقد قدرته على الإقناع.

إرسال تعليق