بقلم: عبد السميع المصري
جلستُ في مكانٍ هادئ داخل النادي،
كعادتي كل يوم.
جاءني الشاب بفنجان القهوة،
فابتسمت وأخذت أول رشفة،
ثم نظرت إلى الفنجان،
وإذا بالذكريات تفتح أبوابها دفعة واحدة.
عاد بي الزمن إلى أول لقاءٍ بيني وبينها…
كنا نجلس معًا، نشرب القهوة،
وكان ذلك أول تعارف حقيقي.
كانت تعمل معي في قسم الديكور والتشطيبات؛ مهندسة جميلة، نشيطة، محبة للعمل،
لكن كان هناك شيء غريب…
قلبها كان مغلقًا، لا تريد أن تحب،
رفضت كل محاولات التقرب من الزملاء،
لكنها ارتاحت لي.
طلبت أن نعمل سويًا بعيدًا عن باقي الفريق،
وبالفعل افتتحنا مكتبًا صغيرًا.
عملت بإخلاصٍ نادر، دون تعب أو تقصير،
حتى أصبح المكتب خلال أقل من عامين
شركة مقاولات كبيرة، بفضل مجهودها
وحسن اختيارها لفريق العمل.
ورغم كل هذا، لم أكن أعلم عنها شيئ
بينما كانت هي تعلم عني كل شيء.
كنت متزوجًا، ولي ابنة مريضة بالتوحد،
وتوفيت زوجتي أثناء الولادة.
كانت هي من ترعى ابنتي، تحضر لها أفضل المختصين، و تلازمها طوال فترات سفري
التي كانت تمتد لشهرين وأكثر.
وعندما أعود، كانت تغادر المكان فورًا
دون سؤال أو تبرير.
لم أسأل نفسي يومًا: لماذا تفعل هذا
أليس لها بيت او أولاد او حياة خاصه بها
كانت تعلم عشقي للقهوة،
فتجلب أفضل أنواعها، وتعدّها بنفسها.
ومع الوقت، شعرت أنني لا أستطيع
الاستغناء عنها، ولا أحتمل بعدها.
قررت أن أعرف كل شيء عنها،
فدعوتها على فنجان قهوة في النادي.
جاءت… جلسنا… وبدأ الحديث.
قلت لها:
هل تعرفين لماذا طلبتُ اللقاء
ابتسمت وقالت:
– نعم… تريد أن تعرف قصة حياتي.
اندَهشت وسألتها كيف علمت.
قالت بهدوء:
– كنتُ أنتظر هذا الموعد منذ وفاة زوجتك
ودخولي حياتك.
أخبرتُها أنني أعلم أنها تعرف الكثير عني،
لكنني لا أفهم كيف.
فقالت:
– لأنني كنت صديقة زوجتك… أقرب الناس إليها، أكثر حتى منك.
توقفت أنفاسي.
أكملت حديثها:
– كانت تساعدني في دراستي، وهي من نصحتني باختيار هذا القسم لأكون بجوارك
كانت تعلم أنها ستموت.
شعرت أن الأرض تميد بي.
سألتها: كيف كانت تعلم
قالت إن زوجتك كانت مريضة، تتلقى العلاج سرًا، وكان الحمل خطرًا عليها، لكنها أرادت أن تترك لك طفلًا يذكرك بها.
ثم طلبت القهوة من جديد، وأكملت:
– أوصتني أن أرعاك، وأن أرعى ابنتها… وقد فعلت.
ابنتك ابنتي، أشعر بها كما لو كانت قطعة من روحي.
سألتها:
– لماذا لم تخبريني من قبل
قالت:
– لأنك كنت مشغولًا… لم تسأل يومًا كيف أعيش، ولا مع من، ولا كيف أقضي شهورًا مع ابنتك بعيدًا عن بيتي. كنت لا ترى إلا ظروفك أنت.
بدأت أسترجع كل شي
وبدأ الهدوء يتسلل إلى قلبي.
سألتها: من أنتِ
قالت:
– أنا صديقة زوجتك منذ أكثر من عشرين عامًا. توفي والداي في حادث، ورباني والد زوجتك كابنته، وكانت زوجتك هى أختي.
وعندما سافرت لظروفٍ الدراسه ،
التقيت انت بها ثم تزوجتما.
وعندما اكتشفت مرضها، اتصلت بي باكية، وذهبت إليها، وذهبنا للطبيب، وهناك علمنا بالحمل وخطورته.
قالت لي يومها:
« كوني بجواره… احميه… وكوني مع ابنتي.»
كنت أسمع، وأدرك كم كنت أنانيًا، لا أفكر إلا في نفسي ومستقبلي.
نظرتُ إليها وقلت:
– سامحيني… وأسأل الله أن تسامحني زوجتي.
ابتسمت وقالت:
– هل أعزمك على فنجان قهوة؟
ضحكتُ وهززت رأسي موافقًا.
ثم فتحت حقيبتها وأخرجت خطابًا.
قالت:
– هذا لك… من زوجتك.
بدأت أقرأ:
زوجي العزيز،
أعلم أنك ستكون حزينًا، لكني سامحتك. كنت تحلم بمستقبل كبير لنا، لكن إرادة الله فوق كل شيء.
اعتنِ بابنتى ، ولا تفرّط في أختي، فقد وضعتها في طريقك لتحل مكاني. هي أخلص إنسانة لك ولطفلتنا.
انهمرت دموعي، وسألتها:
– لماذا لم تعطيني الخطاب من قبل
قالت:
– هذه وصيتها… كانت تعلم أنك حينها لن تعطي الكلمات قيمتها، لكنك حين تبحث، ستفهم كل شيء.
بكيت كثيرًا…
فقالت:
– اهدأ… واشرب القهوة، فكل شيء يمكن أن يتغير.
قلت لها:
– بالفعل… كل شيء سيتغير.
ثم سألتها:
– هل أنتِ متزوجة
ضحكت وقالت:
– لا… عشتُ لكم… لكَ ولابنتنا الغالية.
وقفتُ فجأة وقلت:
– إذًا نتزوج الآن… لنبدأ حياة جديدة.
ابتسمت وقالت:
– بعد أن نشرب القهوة…


إرسال تعليق