الإسراء والمعراج: رحلة الإيمان من الأرض إلى السماء

المشاهدات الفعلية للخبر 👁 Flag Counter



 

بقلم الكاتب/ حسين ابوالمجد حسن 

حين تحدّى النور قوانين الأرض وصعد بالنبي إلى سدرة المنتهى

ليست حادثة الإسراء والمعراج مجرد واقعة تاريخية تُروى، ولا معجزة خارقة تُذكر في ليلة عابرة من العام، بل هي اللحظة التي أعاد الله فيها ترتيب موازين السماء والأرض، وكرّم فيها الإنسان برسالة لا تموت. إنها محطة إيمانية فارقة، تحمل أبعادًا عقدية وتربوية وإنسانية خالدة، وتتجاوز حدود الزمان والمكان لتخاطب القلب والعقل معًا.

في زمنٍ اشتد فيه الألم، وضاق فيه الأفق، وانكسرت فيه القلوب، وجاء عام الحزن بكل ثقله على النبي محمد ﷺ، كان الرد الإلهي مختلفًا عن كل تصورات البشر…

لم يكن تعويضًا أرضيًا، بل تكريمًا سماويًا.

الإسراء: تكريم الأرض المقدسة وربط العقيدة بالتاريخ

في ليلٍ هادئ، بينما كانت مكة تغط في صمتها، أسرى الله سبحانه وتعالى بنبيه محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المبارك، على ظهر البُراق، في رحلة ليلية خاطفة لا تخضع لقوانين الزمن ولا لمنطق المسافات، بل لسلطان القدرة الإلهية المطلقة.

لم يكن المسجد الأقصى محطة عبور عابرة، بل رسالة عقدية صارمة: أن هذه الأرض مباركة،

وأن القدس جزء لا يتجزأ من وجدان الأمة،

وأنها قلب العقيدة لا هامش السياسة.

فالمسجد الأقصى لم يكن مجرد مكان، بل شاهدًا على وحدة الرسالات السماوية وترابط تاريخ التوحيد منذ آدم عليه السلام حتى خاتم الأنبياء ﷺ.

وفي مشهد مهيب تهتز له القلوب قبل الأبصار، صلى النبي ﷺ إمامًا بالأنبياء جميعًا؛ آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، في إعلان تاريخي لا لبس فيه:

الرسالة قد اكتملت، والقيادة استقرت، ولواء التوحيد بلغ ذروته.

المعراج: سمو الروح وتكريم الإنسان

ومن الأرض إلى السماء… بدأ الصعود.

سماء بعد سماء، ومقام بعد مقام، حتى عُرج بالنبي ﷺ إلى السماوات العُلى، فشاهد من آيات ربه الكبرى، والتقى بالأنبياء في مقاماتهم، إلى أن بلغ سدرة المنتهى، حيث تتلاشى الكلمات، ويقف العقل مبهوتًا أمام عظمة المشهد.

هناك، في أعلى مقام بلغه بشر، فُرضت الصلاة.

لم تُفرض في الأرض،

ولا عبر وسيط،

بل فُرضت فوق السماوات السبع، في دلالة واضحة على مكانتها العظمى، وعلى أن الارتقاء الحقيقي للإنسان لا يبدأ بالقوة ولا بالجاه، بل بالسجود الصادق لله.

لم تكن الصلاة عبادة عادية، بل كانت صلة يومية بين العبد وربه، ومعراجًا روحيًا دائمًا، وسُلَّم نجاة لمن أثقلته الأرض.

ما بين الألم والاصطفاء… رسالة لا تموت

جاءت الإسراء والمعراج بعد عام الحزن، بعد فقد خديجة رضي الله عنها، ورحيل أبي طالب، وبعد الاستهزاء والتكذيب والخذلان، حين ضاقت الأرض بما رحبت.

فكان الرد الإلهي حاسمًا:

إذا أغلقت الأرض أبوابها… فالسماء مفتوحة لمن صدق.

وهنا تتجلى الدروس العميقة لهذه الحادثة الجليلة: أن الشدائد تسبق المنح،

وأن الإيمان لا يُقاس بمقاييس المادة وحدها،

وأن العروج إلى السماء لا يكون بالجسد فقط، بل بالقيم، والطهارة، والصدق، والعمل الصالح.

رسالة الإسراء والمعراج إلى هذا الزمان

الإسراء والمعراج ليست قصة تُحكى للتاريخ، ولا ذكرى تُستعاد في ليلة عابرة، بل منهج حياة ورسالة وعي.

تقول لنا:

لا تقِس الإيمان بعقلك وحده

ولا تقِس النصر بميزان القوة

ولا تظن أن السماء بعيدة عن المنكسرين

فالذي رفع محمدًا ﷺ إلى سدرة المنتهى،

قادر أن يرفع أمةً صدقت… ولو بعد حين.

خاتمة: الطريق إلى السماء يبدأ من القلب

الإسراء والمعراج إعلان إلهي خالد: أن الطريق إلى السماء لا يبدأ من الأجنحة،

بل من القيم،

ولا يُفتح بالقوة،

بل بالصدق،

ولا يُمنح لكل أحد،

بل لمن ثبت على الحق.

هي دعوة مفتوحة لكل إنسان أن يسمو بروحه، ويثبت على الإيمان، ويوقن أن بعد العسر يسرًا، وأن بعد الأرض… سماء.

اضف تعليق

أحدث أقدم