حين تستعيد الكلمة دورها

المشاهدات الفعلية للخبر 👁 Flag Counter




 بقلم/ مؤمن الهواري 


في زمن تتكاثر فيه الأصوات، وتتنافس فيه العبارات على انتباه الإنسان، تبدو الكلمة الصادقة أكثر حاجة إلى أن تسمع، وأكثر مسؤولية في أن تقال. فليست الكلمات جميعا سواء؛ منها ما يمر عابرا كنسمة لا تترك أثرا، ومنها ما يستقر في الوجدان، ويعيد ترتيب الأسئلة في أعماقنا، ويفتح أمامنا نافذة جديدة على الحياة. 


لقد ارتبطت الكلمة منذ بدايات الوعي الإنساني بمحاولتنا لفهم العالم والتعبير عن ذواتنا. بها سمّى الإنسان الأشياء، وحفظ ذاكرته، وروى تاريخه، ونقل أحلامه من جيلٍ إلى جيل. وكلما ضاقت المسافة بين الإنسان وحقيقته، اتسعت حاجته إلى كلمةٍ تمنحه القدرة على البوح، وتساعده على رؤية ما يخفيه الصمت من آلام وآمال. 


إن الثقافة لا تقاس بعدد الكتب التي نقرأها، ولا بحجم المصطلحات التي نحفظها، بل بقدرتنا على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى سلوك، والسلوك إلى أثر يترك في المجتمع شيئا من النور. فالمثقف الحقيقي ليس من يعلو فوق الناس بما يعرف، بل من يقترب منهم بما يفهم، ويجعل من معرفته جسرًا للحوار، لا جدارا للعزلة. 


 وفي عالم سريع التحول، بات الإنسان في حاجة ماسة إلى ثقافة تعيد إليه توازنه، وتذكره بأن التقدم لا يقاس بما نمتلك من أدوات فحسب، بل بما نملك من إنسانية. فكل إنجاز يفقد معناه إذا لم يوسّع مساحة العدل، وكل معرفة تصبح ناقصة إذا لم تقد إلى مزيدٍ من الرحمة، وكل خطاب يفقد قيمته حين يتحول إلى وسيلة لإقصاء الآخر أو إلغاء حقه في الاختلاف. 


 من هنا تأتي أهمية الأدب؛ فهو لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يوقظ فينا الأسئلة. يجعلنا نرى العالم بعيون الآخرين، ونفهم هشاشتهم، ونصغي إلى حكاياتهم، ونكتشف أن ما يجمع البشر أكبر بكثير مما يفرق بينهم. وفي القصة والقصيدة والمقالة، يجد الإنسان مرآة لروحه، ومساحة آمنة ليتأمل ذاته بعيدا عن ضجيج الأحكام السريعة. 


إن الكاتب حين يضع قلمه على الورق لا يكتب لنفسه وحدها، حتى وإن بدأ من تجربة شخصية. فكل تجربة صادقة تحمل في داخلها بعدا إنسانيا يمكن أن يلامس الآخرين. وقد تكون جملة واحدة سببا في تغيير موقف، أو تخفيف حزن، أو إعادة الأمل إلى قلب ظن أن الطريق انتهى. 


ولعل أعظم ما تستطيع الكلمة أن تفعله هو أن تمنح الإنسان شعورا بأنه مرئي ومسموع. ففي عالم يزداد ازدحاما، يعاني كثيرون من عزلة لا ترى، ومن أسئلة لا يجدون لها من يصغي. لذلك تظل الكتابة فعلًا من أفعال المقاومة النبيلة؛ مقاومة النسيان، والسطحية، والقسوة، وتحويل الإنسان إلى رقم عابر في سجلات الحياة. 


 نحن لا نكتب لأن العالم كامل، بل لأننا نؤمن بإمكان إصلاحه. ولا ننتصر للكلمة لأنها تملك القوة دائما، بل لأنها تملك القدرة على أن تبدأ التغيير من الداخل. فكل وعي كبير بدأ بفكرة، وكل فكرة وجدت طريقها عبر كلمة، وكل كلمةٍ صادقة يمكن أن تكون بداية لحكاية أجمل. 


 لذلك، علينا أن نحمي الكلمة من الابتذال، وأن نمنحها ما تستحق من صدق ومسؤولية. فالكلمة أمانة، والكاتب مؤتمن على أثرها، والثقافة رسالة لا تكتمل إلا حين تنحاز إلى الإنسان، وتدافع عن حقه في المعرفة والكرامة والحلم. 


 حين تستعيد الكلمة دورها، يستعيد الإنسان قدرته على أن يرى، ويفهم، ويحلم، ويصنع مستقبلًا يليق به.

اضف تعليق

أحدث أقدم