بقلم/مؤمن الهواري
منذ آلاف السنين، حملت مصر على كتفيها مسؤولية التاريخ والجغرافيا، فكانت جسرا بين وادي النيل والجزيرة العربية، وملاذا للأشقاء في أوقات المحن. السودان ظل عمقا استراتيجيا لمصر، تربطهما مياه النيل وروابط الدم، بينما كانت مصر قلب الحركات القومية العربية، تؤسس جامعة الدول العربية وتدعم ثورات التحرر في القرن العشرين. هذا الدور لم يكن سياسيا فقط، بل إنسانيا ووطنياً، يعكس مكانة مصر كحاضنة للهوية المشتركة.
في علاقاتها مع السودان، امتدت الجذور منذ العصور الفرعونية، حين تواصلت التجارة والثقافة مع مملكة كوش. ومع دخول محمد علي باشا السودان عام 1820، تأسست وحدة سياسية لوادي النيل، ثم جاءت ثورة يوليو لتؤكد حق السودانيين في تقرير المصير، فاستقل السودان عام 1956. وفي العصر الحديث، عززت القاهرة والخرطوم روابطهما باتفاق الحريات الأربع، لتظل العلاقة عنوانا للتكامل رغم التحديات. السودان لم يكن مجرد جار، بل كان سندا لمصر في لحظات فارقة، مثل استضافة طائراتها بعد نكسة 1967، ليبقى شاهدا على وحدة المصير.
أما مع الدول العربية، فقد قادت مصر تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، لتصبح قلب العمل العربي المشترك. عبد الناصر رفع راية الوحدة، ودعم ثورات الجزائر واليمن وفلسطين، فيما استضاف السودان قمة الخرطوم بعد نكسة 1967 لتوحيد الصف العربي. ورغم التراجع النسبي في مرحلة مبارك، عادت مصر لتقود علاقاتها مع الخليج في عهد السيسي، عبر استثمارات ضخمة ودعم سياسي متبادل. اقتصادياً، بلغت التجارة مع العرب أكثر من 30 مليار دولار عام 2024، بينما شكل الذهب السوداني 90% من صادرات السودان لمصر، لتظل المصالح الاقتصادية شاهداً على عمق الروابط.
الخلاصة أن مصر لم تكن مجرد دولة في محيطها، بل كانت قلب العروبة وعمق السودان، تحمل على عاتقها مسؤولية التاريخ والجغرافيا، وتكتب فصولا من التضامن والهوية المشتركة. هذا الدور الإنساني والوطني هو ما جعلها محورا أساسياً في الأمن القومي العربي، وركيزة للتكامل مع السودان عبر وادي النيل.

إرسال تعليق