بقلم شاعرة الإحساس
الاميره شليمار عبد المنعم
ليست كلُّ معركةٍ تستحق أن تخوضها، ولا كلُّ عاصفةٍ تستوجب أن تقف في وجهها، ولا كلُّ كلمةٍ جارحة تحتاج إلى ردٍّ يعادلها في القسوة. فثمّة نوعٌ من القوة لا يُحدث ضجيجًا، ولا يستعرض عضلاته أمام الخصوم، وإنما يعرف كيف يُطفئ شرارة الخلاف قبل أن تتحوّل إلى حريقٍ يلتهم ما تبقّى من الودّ.
تلك هي سياسة الاحتواء؛ أن تدرك طبيعة الموقف قبل أن تختار ردّك، أن تفهم ما يحتاج إليه الطرف الآخر دون أن تسمح لاحتياجاته بأن تبتلع حقوقك، أن تعرف متى يكون الاقتراب علاجًا، ومتى يصبح الابتعاد ضرورة.
الاحتواء ليس أن توافق الجميع، ولا أن تُرضي كلَّ غاضب، لا أن تتنازل عن مبادئك ضد صلىكي تشتري هدوءًا مؤقتًا؛ بل أن تمتلك من الحكمة ما يجعلك قادرًا على إدارة الاختلاف دون أن تحوّله إلى عداوة، وعلى تهدئة النفوس دون أن تُهين نفسك، وعلى حفظ العلاقات دون أن تدفع كرامتك ثمنًا لبقائها.
إنه فنُّ قراءة اللحظة؛ أن تعرف متى تتكلّم، متى تصمت، ومتى تمنح الآخر فرصةً ليراجع نفسه، متى تضع حدًّا واضحًا يمنع تجاوزًا لا يجوز التغاضي عنه.
فبعض النفوس لا تحتاج إلى من ينتصر عليها في النقاش، بل إلى من يمنحها فرصةً للخروج من انفعالها دون أن تشعر بأنها مهزومة. وبعض الخلافات لا يحلّها ارتفاع الصوت، إنما يحلّها أن يشعر كلُّ طرفٍ بأنه مسموع، حتى إن لم يحصل على ما يريد.
غير أن الاحتواء الحقيقي لا يعني أن تتحوّل إلى أرضٍ تمتصّ أذى الجميع، ولا أن تصبح ملاذًا دائمًا لمن يجرحونك ثم يعودون مطمئنين إلى سعة صدرك. فهناك فرقٌ شاسع بين أن تحتوي غضب إنسان، وأن تسمح له بأن يجعل منك هدفًا لغضبه؛ وبين أن تتفهّم ضعف أحدهم، وأن تمنحه رخصةً دائمة للإساءة إليك.
الحكمة هنا أن تُبقي باب التفاهم مفتوحًا، لكنك لا تترك حدودك بلا حراسة؛ أن تمنح الفرصة دون أن تُهدر كرامتك، وأن تختار اللين حين ينفع، والحزم حين يلزم، والانسحاب حين يصبح البقاء استنزافًا لا جدوى منه.
إن سياسة الاحتواء لا تُقاس بعدد الأشخاص الذين استطعت الاحتفاظ بهم في حياتك، بل بقدرتك على إدارة حضورهم دون أن تفقد اتزانك، وعلى إنهاء ما ينبغي إنهاؤه دون أن تتحوّل إلى نسخةٍ ممن آذوك.لا
الاحتواء ليس أن تُخمد كلَّ نارٍ حولك بصدرك، بل أن تعرف أيَّ نارٍ تستحق أن تطفئها، وأيَّ نارٍ ينبغي أن تبتعد عنها، وألّا تسمح للعالم بأن يقنعك بأن سلام الآخرين مسؤوليتك، حتى لو كان ثمنه خراب سلامك
بقلم شاعرة الإحساس

إرسال تعليق