كتبت /دينا متولي
فقدت الساحة الثقافية المصرية اليوم واحدًا من أبرز رموزها و أكثرهم تأثيرًا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، برحيل الناشر محمد هاشم، مؤسس دار ميريت وأحد أهم أعمدة حركة النشر المستقل في مصر. ومع انتشار خبر الوفاة، عمّت موجة واسعة من الحزن بين الكتّاب والقراء والنشطاء الثقافيين، الذين عرفوا دوره الريادي وشهدوا أثره العميق في تشكيل مشهد أدبي أكثر حرية وجرأة.
أعلن الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، خبر الوفاة عبر صفحته على “فيسبوك”، ناعيًا هاشم بكلمات مؤثرة:
“لا حول ولا قوة إلا بالله، وداعًا للصديق محمد هاشم أحد العلامات البارزة في مسيرة الثقافة والسياسة بمصر.”
وأشار مجاهد إلى أن هاشم كان قد نشر قبل يوم واحد فقط منشورًا يشكو فيه من إصابته بالإنفلونزا التي منعته من حضور خطوبة ابنته، في مفارقة مؤلمة ضاعفت من حزن الوسط الثقافي.
هاشم… الناشر الذي كان أكبر من مهنته
وقع الخبر كالصاعقة، فمحمد هاشم لم يكن مجرد ناشر، بل كان شخصية محورية أسهمت في صياغة موجة جديدة من الكتابة المصرية والعربية منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي.
ولد هاشم عام 1958 بمدينة طنطا، وبدأ حياته المهنية صحفيًا وكاتبًا، قبل أن يجد طريقه إلى عالم النشر، الذي شغل فيه موقعًا أكثر تأثيرًا من الكتابة نفسها، مؤمنًا بأن حرية التعبير لا تُمنح بل تُنتزع.
دار ميريت… الحلم المتمرد
في عام 1998، أسس هاشم دار ميريت في وسط القاهرة، في وقت لم تكن فيه حركة النشر المستقل قد تبلورت بعد. جاءت ميريت كمشروع صغير في الإمكانيات، كبير في الرؤية والتأثير، يقوم على فلسفة بسيطة لكنها حاسمة:
النشر يجب أن يكون حرًا، بلا خوف، وبلا خضوع لما هو سائد.
تحولت ميريت بسرعة إلى منصة للأصوات الشابة، وقدّمت كتّابًا وصوتت لأجيال جديدة من الأدب العربي، من بينهم أسماء أصبحت اليوم من أبرز رموز الكتابة المعاصرة.
ولم يكن مشروع هاشم تجاريًا بقدر ما كان مشروعًا ثقافيًا مقاومًا، يؤمن بأن الكتابة فعل تحرر، وأن الأدب مساحة للمواجهة والمساءلة لا للامتثال.
إرث لا يغيب
برحيل محمد هاشم، تفقد مصر واحدًا من أكثر المدافعين شراسة عن حرية التعبير، وعن الأدب بوصفه قوة دافعة للمجتمع. وسيظل إرثه حاضرًا في كتبٍ فتحت الطريق لمئات الكتّاب، وفي دار نشرٍ صارت — رغم صغر مساحتها — واحدة من أكثر المؤسسات تأثيرًا في تاريخ النشر المصري الحديث.
رحل هاشم، لكن أثره باقٍ، يشبه ميريت نفسها: صغيرًا في الشكل، واسعًا في الأثر، عصيًا على النسيان.

إرسال تعليق