بقلم: حسين أبو المجد حسن
محلل سياسي وباحث في شؤون الأمن القومي والإقليمي
لم تعد سماء طهران ساحة مفتوحة كما كانت في السابق. فخلال الفترة الأخيرة، كشفت تقارير إعلامية متخصصة عن تحولات لافتة في منظومة الدفاع الجوي الإيراني، بعد دخول تقنيات صينية وروسية متقدمة على خط حماية المجال الجوي، ما أعاد رسم الحسابات العسكرية في المنطقة، وفرض واقعًا استراتيجيًا جديدًا على القوى المعنية.
وبحسب ما أورده موقع «ناتسيف نت» العبري، فإن الصين زوّدت إيران بمنظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى HQ-9B، في خطوة جاءت بالتوازي مع تنامي التعاون العسكري بين طهران وموسكو، وامتلاك إيران بالفعل لمنظومات روسية متطورة من طراز S-400، أو العمل على دمج قدراتها ضمن شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات.
من الثغرة إلى التحصين
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد تجارب صعبة مرّت بها إيران، خاصة خلال ما عُرف إعلاميًا بـ«حرب الاثني عشر يومًا»، حيث تعرضت مواقع حساسة ومنشآت رادارية لضربات جوية دقيقة، كشفت عن قصور في منظومات الحماية الجوية التقليدية. عند هذه النقطة، اتجهت طهران شرقًا، بحثًا عن حلول دفاعية قادرة على تحييد التفوق الجوي المحتمل لخصومها.
HQ-9B… الرادار الصيني يدخل المعادلة
تُعد منظومة HQ-9B واحدة من أبرز أنظمة الدفاع الجوي الصينية بعيدة المدى، إذ تمتلك قدرة على اعتراض الطائرات، والصواريخ، والطائرات المسيّرة، بمدى يصل إلى نحو 300 كيلومتر، وارتفاعات كبيرة تسمح بتأمين العمق الاستراتيجي للدولة.
وتتميّز المنظومة برادارات متطورة قادرة على تتبع عدة أهداف في وقت واحد، والعمل في بيئات تشويش إلكتروني معقدة، ما يمنحها فاعلية خاصة في مواجهة الهجمات الجوية الحديثة، بما في ذلك التهديدات ذات السرعات العالية.
S-400… العمود الفقري للردع الجوي
أما منظومة S-400 الروسية، فهي تُعد من أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطورًا في العالم، وتكمن أهميتها في قدرتها على فرض نطاق حظر جوي واسع يصل إلى مئات الكيلومترات، والتعامل مع طيف متنوع من الأهداف، من الطائرات الشبحية إلى الصواريخ الباليستية والجوالة.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن دمج قدرات S-400 مع أنظمة أخرى، مثل HQ-9B، يخلق شبكة دفاع جوي معقدة، تصعب مهمة اختراقها دون تكبّد خسائر كبيرة، وهو ما يمنح صانع القرار الإيراني هامش ردع سياسي وعسكري أوسع.
انعكاسات إقليمية ودولية
هذا التطور لم يمر مرور الكرام في واشنطن. إذ تفيد تقارير بأن الولايات المتحدة أعادت تقييم سيناريوهات التعامل العسكري مع إيران، في ضوء تصاعد كلفة أي هجوم جوي محتمل، خاصة مع انتشار قوات أمريكية في محيط إقليمي قد يتأثر مباشرة بأي تصعيد واسع.
كما يطرح هذا الواقع تساؤلات جدية داخل إسرائيل حول جدوى الخيار العسكري المباشر، في ظل بيئة جوية أكثر تعقيدًا، لم تعد تضمن التفوق السريع الذي اعتمدت عليه استراتيجيات سابقة.
خلاصة المشهد
لا يعني هذا بالضرورة أن إيران أصبحت بمنأى تام عن أي تهديد، لكنه يشير بوضوح إلى أن سماءها لم تعد «ساحة سهلة». فامتلاك منظومات دفاع جوي روسية وصينية متقدمة يفرض معادلة ردع جديدة، تُجبر الخصوم على إعادة الحسابات، وتؤكد أن أي تحرك عسكري مستقبلي سيكون أكثر كلفة وتعقيدًا مما كان عليه في السابق.

إرسال تعليق