كتب : عبدالرحمن محمـد فضل
مع إشراقة اليوم التاسع من ذي الحجة تتجه أنظار المسلمين إلى صعيد عرفات حيث يقف ملايين الحجاج في مشهد مهيب تتلاشى فيه الفوارق و تتجرد النفوس من زخارف الدنيا ليبقى الإنسان في أصدق حالاته بين يدي خالقه هناك تتجسد معاني العبودية الخالصة ويقترب القلب من إدراك حقيقة الوجود و مآله الوقوف بعرفة ليس مجرد ركن من أركان الحج بل هو لوحة إيمانية تعكس صورة مصغرة ليوم الحشر حيث يجتمع الناس بقلوب و اجفة و ألسنة ضارعة يرجون رحمة الله ويخشون عذابه، تتوحد الوجوه نحو السماء في استحضار عميق ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وفي هذا المقام تتجلى قيمة الدعاء ويبرز معنى القرب من الله حتى يبدو اليوم وكأنه ميلاد روحي جديد تتجدد فيه الصلة بالخالق ومع إشراقة يوم النحر تتواصل الدلالات الإيمانية في شعيرة الأضحية التي تجسد قصة التسليم المطلق لأمر الله كما ظهرت في موقف نبي الله إبراهيم عليه السلام حين استجاب للأمر الإلهي دون تردد وتجلّت عظمة الإيمان كذلك في موقف ابنه إسماعيل عليه السلام بقوله: “يا أبتِ افعل ما تؤمر” إنها لحظة تختزل قمة اليقين حيث يلتقي الإيمان بالفعل، وقد خلد الله هذا الموقف بالفداء العظيم لتبقى الأضحية رمزًا دائمًا للطاعة والتجرد ودعوة متجددة لمراجعة العلاقة مع الله واختبار صدق الإيمان، وهكذا بين عرفات ومنى تتكامل مشاهد الحج لترسم صورة متكاملة لمعاني الإيمان من الخشوع والتأمل إلى الطاعة والبذل، إنه موسم يعيد ترتيب الأولويات ويذكر الإنسان بقصر رحلته في الدنيا وأن الغاية الكبرى هي النجاة يوم العرض الأكبر، حيث يستعيد القلب صفاءه ويترسخ اليقين.

إرسال تعليق