الغربان الخمسة.. مملكة التنمر فوق عرش الميديا

المشاهدات الفعلية للخبر 👁 Flag Counter



 

بقلم / امل صالح سليم


لم يكونوا خمسة أصدقاء بالمعنى الذي نعرفه عن الصداقة بل كانوا أقرب إلى خمسة غربان اجتمعوا فوق شجرة واحدة لا يبحثون عن شيء سوى صوت الضحك على الآخرين.


امرأتان في الخمسين رجل في الأربعين و شاب في الثلاثين وامرأة في الثلاثين.


خمسة أشخاص جمعتهم غرف السوشيال ميديا لكن ما جمعهم لم يكن المحبة ولا الثقافة ولا حتى الحوار وإنما كان شيئًا أكثر قتامة متعة التقليل من الآخرين.


كانوا يدخلون الغرف لساعات طويلة يراقبون الناس يلتقطون نقاط ضعفهم ثم يبدأ العرض.


شخص يتحدث بطريقة مختلفة؟ مادة للسخرية.


امرأة أخطأت في كلمة؟ فرصة للتشهير.


رجل يمر بأزمة؟ يتحول إلى نكتة.


وكلما شعر أحدهم بأنه نجح في إحراج شخص آخر تعالت الضحكات وكأنهم حققوا انتصارا عظيما.


لكن خلف هذه الضحكات كان هناك فراغ كبير.


فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج عادة إلى تحطيم الآخرين حتى يشعر بقيمته أما من يجعل إهانة الآخرين مصدرا دائما للمتعة فقد يكون في حاجة مستمرة إلى إثبات ذاته أمام نفسه وأمام المجموعة.


وهنا تبدأ الحكاية الأكثر تعقيدا.


الشاب الثلاثيني كان يعرف كيف يقترب من السيدتين الخمسينيتين وكيف يمنحهما الاهتمام الذي تفتقدانه وكيف يجعلهما تشعران بأنهما ما زالتا مرغوبتين ومسموعتين.


لم يكن بالضرورة يبحث عن صداقة حقيقية وإنما كان يعرف أن الاحتياج العاطفي يمكن أن يتحول إلى باب للاستغلال.


أما السيدتان فقد كان لكل منهما ظروفها الخاصة وحياتها الخاصة لكن المشكلة لم تكن في العمر ولا في كون المرأة مطلقة أو أرملة أو غير متزوجة المشكلة في أن بعض الأشخاص عندما يشعرون بالوحدة قد يصبحون أكثر قابلية للتعلق بأي شخص يمنحهم اهتماما مستمرا.


وهنا يجب أن نتوقف.


 الخطير هو أن الوحدة والاحتياج العاطفي يمكن أن يستغلهما شخص انتهازي فيقدم الاهتمام في البداية ثم يحول العلاقة إلى وسيلة للسيطرة أو الابتزاز أو تحقيق مصالح شخصية.


وهكذا تتحول الميديا من مساحة للتواصل إلى سوق للمشاعر.


أما الاربعينى الذى يبحث عن عروسة كان يستمتع بتعويض احتياجه للمرأة  فهو والمرأة الثلاثينية كانا جزءا من الدائرة يتابعان ، يضحكان، يشاركان في السخرية، وربما يضيف كل منهما وقوده إلى النار.


وهنا تظهر المشكلة الحقيقية:

لم يعد التنمر فعل شخص واحد بل أصبح نشاطا جماعيا يمنح أصحابه شعورا زائفا بالقوة.


 يمكن للجماعة أن تجعل الفرد يفعل أشياء ربما لم يكن ليجرؤ على فعلها بمفرده. الضحك الجماعي يقلل الإحساس بالذنب وتكرار السخرية يجعل الخطأ يبدو عاديا ومع الوقت يصبح إيذاء الآخرين جزءا من هوية المجموعة.


وهذه واحدة من أخطر مشكلات الميديا الحديثة.


أما هؤلاء "الغربان الخمسة"، فالمشكلة في النهاية ليست في أعمارهم ولا في كونهم رجالا أو نساء


المشكلة في اختيارهم أن يجعلوا من ضعف الآخرين وسيلة للضحك ومن احتياجات الناس وسيلة للاستغلال ومن السوشيال ميديا مسرحا لإهانة البشر.


والأخطر أن الإنسان الذي يقضي يومه في مراقبة الآخرين والسخرية منهم قد ينسى أن يسأل نفسه سؤالًا بسيطا


ماذا أنجزت في حياتي بعيدا عن شاشة الهاتف؟


فربما تكون الإجابة هي التي تكشف الحقيقة.


السوشيال ميديا لم تصنع كل هذه العيوب من العدم لكنها كشفتها وأعطتها جمهورا وميكروفونا.


ولهذا، فإن أخطر غربان الميديا ليست تلك التي ترفع أصواتها فقط، وإنما تلك التي تستمتع بسقوط الآخرين، ثم تعود إلى الشاشة في اليوم التالي بحثًا عن ضحية جديدة.


وفي النهاية، يظل الفرق كبيرًا بين إنسان يستخدم الميديا ليبني نفسه، وإنسان لا يشعر بقيمته إلا عندما يهدم غيره.


الأول يترك أثرًا.. والثاني لا يترك إلا ضجيجًا.

اضف تعليق

أحدث أقدم