بقلم : محمود ذكي عبيد
لم يعد الإنسان يقيس نجاحه بما يملكه فقط، بل بما يملكه الآخرون أيضًا. يفتح هاتفه، فيجد شخصًا سافر، وآخر اشترى سيارة، وثالث بدأ مشروعًا، ورابعًا أصبح مشهورًا. خلال دقائق، قد تتحول حياته التي كان راضيًا عنها إلى حياة تبدو له ناقصة.
هنا تبدأ المشكلة.
لم يعد الطموح دائمًا رغبة في التطور، بل تحول لدى البعض إلى محاولة مستمرة للهروب من فكرة أن يكون «شخصًا عاديًا». يريد إنجازًا استثنائيًا، ودخلًا أكبر، وصورة مثالية أمام الآخرين، وكأنه مطالب طوال الوقت بإثبات أن حياته تستحق الإعجاب.
السوشيال ميديا لم تصنع هذا الشعور من البداية، لكنها جعلته أكثر حضورًا. فهي تعرض لنا النتائج ولا تعرض الطريق إليها؛ نرى النجاح ولا نرى سنوات المحاولة، نرى السفر ولا نرى الضغوط، ونرى الصورة المثالية ولا نعرف ما يحدث خارج إطارها.
ومع تكرار مقارنة الإنسان حياته بما يراه لدى الآخرين، يبدأ تدريجيًا في تقييم نفسه من خلال إنجازاتهم، لا من خلال ما حققه هو. يصبح السؤال: «هل أنا سعيد؟» أقل أهمية من سؤال آخر: «هل أبدو ناجحًا؟».
والأخطر أن هذا الشعور لا يتوقف عند حد معين. فكلما وصل الإنسان إلى هدف، ظهر أمامه هدف أكبر، وكلما امتلك شيئًا، وجد من يمتلك أكثر. وهكذا تتحول الحياة إلى سباق لا توجد له نقطة وصول.
لكن هناك فرق كبير بين الطموح والرغبة في إثبات الذات بأي ثمن. الطموح يدفع الإنسان إلى تحسين حياته، أما الهروب من العادية فيجعله يشعر أن قيمته مرتبطة دائمًا بما يحققه وبنظرة الآخرين إليه.
ومع استمرار هذا السباق، قد نكتشف أن الأشياء التي نعتبرها «عادية» هي في الحقيقة أكثر ما يمنح الحياة معناها؛ وظيفة مستقرة تمنح صاحبها الأمان، وأسرة يجد فيها الإنسان مكانًا ينتمي إليه، وشريك حياة يشاركه تفاصيل الأيام قبل لحظات النجاح، وصديق حقيقي يمكن اللجوء إليه دون حسابات، ووقت هادئ يستطيع فيه المرء أن يعيش بعيدًا عن أعين الآخرين.
هذه الأشياء قد لا تصنع صورة لامعة على الشاشة، لكنها قد تصنع حياة متوازنة وحقيقية.
لذلك، ربما لا نحتاج إلى التخلي عن أحلامنا، بل إلى تحريرها من المقارنة. ليس مطلوبًا من كل إنسان أن يصبح مشهورًا أو ثريًا أو استثنائيًا حتى تكون لحياته قيمة. فالنجاح ليس أن تصبح مختلفًا عن الجميع، وإنما أن تصل إلى حياة تشبهك، وتشعر فيها بالرضا، دون أن تحتاج إلى تصفيق مستمر من الآخرين.
ربما لم تعد مشكلتنا أننا لا نملك ما يكفي، بل أننا أصبحنا نعتقد أن ما نملكه لا يكفي، ما دمنا نرى من يملك أكثر.

إرسال تعليق