كتب: محمد الشعراوى
تضج المدن الساحلية ومسارح الهواء الطلق في شهر أغسطس من كل عام بصخب الاحتفالات، وتتداخل أصوات الموسيقى مع أصوات أمواج البحر وضحكات الجماهير الشابة التي تبحث عن المتعة بعد شهور من الإرهاق. حفلات الصيف والمصايف الحديثة ليست في حقيقتها إلا امتداداً لأعياد المصريين القدماء السنوية؛ فقد أتقن أجدادنا فن الاحتفاء بالحياة والموسيقى واللقاءات الجماعية بعد انقضاء فترات العمل الطويلة في الزراعة والحصاد، وهو ما يؤكده عالم المصريات "جيمس هنري بريستد" في دراساته حول تطور الحياة الاجتماعية واليومية في وادي النيل.
ارتبطت البهجة في مصر القديمة بمواسم الطبيعة، وتحديداً بموسم الفيضان الذي كان يمثل ذروة الصيف وبداية الراحة للفلاح المصري، وفقاً لما وثقه المؤرخ الكلاسيكي "هيرودوت" في كتاباته حول طقوس المصريين خلال فيضان النيل. في تلك الفترة، كانت تقام مهرجانات ضخمة تعكس الروح الاحتفالية للشعب، وعلى رأسها "مهرجان أوبت" في طيبة، وأعياد الإلهة "حتحور"، سيدة السعادة والموسيقى والرقص. وتشير النقوش والجداريات المكتشفة في صالة أعمدة "أمنحتب الثالث" بمعبد الأقصر إلى أن تلك الاحتفالات لم تكن مجرد طقوس دينية جامدة، بل كانت كرنفالات شعبية تنصهر فيها الفوارق الطبقية، وتخرج فيها الحشود إلى الشوارع وضفاف النيل للمشاركة في الغناء والرقص الجماعي.
لم تكن الموسيقى مجرد ترفيه عابر، بل كانت همزة الوصل المجتمعية واللغة التي تعبر عن مزاج الناس. ووفقاً لما ذكرته عالمة المصريات "ليزا مانيش" في كتابها المرجعي "الموسيقى والموسيقيون في مصر القديمة"، فإن الفرق الموسيقية القديمة اعتمدت على إيقاعات حيوية وآلات متنوعة قادرة على بث الحماس والبهجة في نفوس الحاضرين. وتدل السجلات الأثرية على أن "المزامير" (الناي) تصدرت المشهد بألحانها العذبة، بينما ضبطت "الدفوف" إيقاع الرقصات، ولعبت "الشخشيخة" (السيستروم) – والتي أشار المؤرخ "بلوتارخ" لارتباطها الوثيق بطقوس الإلهة حتحور – دوراً رئيسياً في نشر حالة من النشوة الروحية والفنية بين الجماهير.
لقد كانت الموسيقى، ولا تزال، النبض الدائم للمجتمع المصري. فمن ضفاف النيل القديم، كما تروي نصوص البرديات المحفوظة، إلى شواطئ البحر المتوسط اليوم، تتغير أشكال الآلات وتتبدل ملامح المسارح، لكن الجوهر يظل ثابتاً؛ وهو الرغبة الإنسانية العميقة في الاحتفاء بالحياة، وتجديد الطاقة، ومشاركة لحظات الفرح الخالص عبر لغة الفن التي لا تموت.

موضوع شيق جدا استمتعت وانا بقراه
ردحذفحلو جدا بالتوفيق بأذن الله
ردحذفإرسال تعليق