قبل أن يشتد عوده الجزء الثالث: حين صار الغياب حضورا

المشاهدات الفعلية للخبر 👁 Flag Counter



 

بقلم/ مؤمن الهواري


لم يعرف سالم كم مر من الوقت وهو محبوس داخل الدكان.

في العتمة، كان يسمع أنفاسه بوضوح، ويسمع معها ارتطام المطر بسقف الصفيح. حاول أن يفتح الباب، فوجد القفل من الخارج. ضربه بكتفه مرة، ثم ثانية، لكن الخشب العتيق لم يتحرك. كان الدفتر الأسود تحت قميصه، ملتصقا بصدره، كأنه شيء حي يخاف عليه أكثر مما يخاف على نفسه.


عاد الصوت من الخارج:

— سيب الدفتر يا سالم، وامشِ من غير ما تكبر الموضوع.

عرف الصوت، لكنه لم يصدق أذنه.

— إنت يا أخويا؟

لم تأت إجابة.

— إنت اللي قفلت عليا؟

ظل الصمت واقفا بينهما، ثم سمع خطوات تبتعد. لم يحاول سالم أن يناديه مرة أخرى. كان الألم أكبر من الغضب، وأشد من أن يخرج في كلمات.


بعد دقائق طويلة، انفتح الباب من الخارج. دخل أخوه الأكبر، وجهه مبلل بالمطر، ويداه ترتجفان.

قال سالم:

— كنت متأكد إن في حد من البيت ورا الموضوع، بس ما توقعتش إنك تكون إنت.


جلس أخوه على صندوق خشبي، وأخفى وجهه بين كفيه.

— أنا ما سرقتش أبويا يا سالم.

— بس خبيت الحقيقة.

— كنت بحاول أحمي نفسي.

— وإحنا؟ مين يحمينا؟


رفع أخوه عينيه إليه.


— طول عمرك بتسأل السؤال ده وكأنك الوحيد اللي اتوجع. أنا كمان اتوجعت. بس إنت كنت دايما البطل، وأنا كنت الأخ اللي فشل، اللي فضل مكانه، واللي كل ما يشوفك ناجح يحس إن عمره ضاع.


لم يجد سالم ما يرد به. كان قد تعود أن يرى الناس في أدوار واضحة: مظلوم، مسؤول، مخطئ، أو محتاج. لكنه لأول مرة يرى أن أخاه يمكن أن يكون كل ذلك في الوقت نفسه.


أخرج الأخ ورقة صغيرة من جيبه.

— أبويا كان عارف إن منصور بيضغط عليه. قبل ما يموت بأيام، طلب مني أجيب له الدفتر من الدكان. أنا جبته، وقرأته. لقيت إن اسمي موجود في آخر صفحة، عشان أنا كنت باخد بضاعة من عند منصور وأسدد له على فترات. بعد موت أبويا، منصور هددني وقال لو ما وقعتش على الإقرار هيخلي كل حاجة تقع فوق دماغنا.


سأل سالم:

— وإيه اللي في آخر صفحة؟

أطرق أخوه برأسه.

— مش كل الحقيقة.

كانت الجملة كافية لتفتح جرحا جديدا.


احتفظ سالم بالدفتر، لكنه لم يفتح الصفحة الأخيرة أمام أخيه. لم يعد يعرف من يخاف منه أكثر: منصور الذي يهدده من الخارج، أم الأسرار التي تأتيه من الداخل.


في طريق عودته، أخرج هاتفه ليتصل بزوجته، ثم تراجع. كان يعرف أنها ستسأله أين كان، وسيضطر إلى اختراع إجابة جديدة. لم يكن الكذب من طبعه، لكنه صار يراه يتسلل إلى حياته مثل الماء تحت الباب؛ قليلا في البداية، ثم لا يترك مكانا جافا.


عندما دخل البيت، وجد ابنته نائمة على الأريكة، وكتابها مفتوح على صدرها. جلست زوجته في المطبخ وحدها.


قالت:

— اتأخرت.

— حصلت حاجة في الدكان.

— حاجة تخص البيت القديم ولا تخص بيتنا؟


نظر إليها، فوجد في عينيها تعبا لم ينتبه إليه من قبل.

— الاتنين بقوا حاجة واحدة.

أجابت بهدوء:

— وده بالضبط اللي أنا خايفة منه.


في تلك الليلة، لم ينم سالم. ظل الدفتر تحت وسادته، بينما ظل هاتفه بجوار يده. كان يفتح شاشة الهاتف ثم يغلقها، يقرأ الرسائل القديمة، ويراجع أسماء كثيرة لم يعد يشعر تجاهها بشيء.


وقبل الفجر بقليل، ظهر له تعليق على منشور كتبه عن معنى أن يتحمل الإنسان ما لا يخصه. كان التعليق قصيرًا:


«أحيانا لا نحمل أعباء الآخرين حبا فيهم، بل خوفا من أن نكتشف أننا لا نعرف من نكون بعيدا عنهم.»


كان اسم صاحبة التعليق: حنين.

قرأ سالم الجملة مرتين. لم يكن يبحث عن حديث، ولم يكن في مزاج يسمح له بالتعارف. لكنه كتب دون تفكير:


«وهل يوجد إنسان يعرف من يكون فعلا؟»


جاء ردها بعد دقائق:

«ربما نعرف، لكننا نخاف من النتيجة.»

منذ تلك اللحظة بدأ حوار لا يشبه الحوارات التي اعتادها سالم. لم يسألها أين تعيش، ولا ماذا تعمل، ولا كانت مرتبطة أم لا. وهي أيضا لم تسأله عن عمره أو عمله أو عائلته. لم تكن بينهما أسئلة التعارف المعتادة، بل كانت هناك جمل تتقدم بحذر، كأن كل واحد منهما يضع جزءا من نفسه على الطاولة ثم ينتظر هل سيدان أم يفهم.


في اليوم الأول تحدثا عن الخوف.

في اليوم الثاني عن الناس الذين يبتسمون كثيرا حتى لا يلاحظ أحد أنهم يتعبون.

في اليوم الثالث عن الأب الذي يترك في أبنائه صوتا لا يموت.


وحين سألت حنين:

«هل تعتقد أن الإنسان مدين لعائلته بحياته كلها؟»


أجاب سالم:

«مدين لهم بالوفاء، لا بأن يلغي نفسه.»

ظل ينظر إلى إجابته طويلًا. كان يكتب كلاما لم يستطع أن يقوله لنفسه من قبل.


لم يطلب أيٌّ منهما معرفة تفاصيل الآخر. كان الأمر أشبه باتفاق غير معلن: نلتقي هنا، في المساحة التي لا يعرف فيها أحدنا اسم جرح الآخر، ولا يملك حق استخدامه ضده.


ومع مرور الأيام، صار سالم ينتظر ظهورها. لم يكن يعترف بذلك. كان يفتح هاتفه بحجة متابعة أخبار العمل، ثم يظل على التطبيق حتى يرى النقطة الخضراء بجوار اسمها. وإذا تأخرت، شعر بأن اليوم ناقص، مع أنه لم يكن يعرف عنها سوى طريقة كتابتها، وبعض الصمت الذي تتركه بين الجمل.


أما حنين، فكانت تكتب له في أوقات غريبة. أحيانا في منتصف الليل، وأحيانا بعد يوم طويل، وأحيانا تكتفي برسالة واحدة:


«أنت صاحي؟»

فيجيب:

«دلوقتي أيوه.»

فتكتب:

«كنت محتاجة أعرف إن في حد موجود.»

لم يكن سالم يسألها: لماذا؟ كان يكتفي بأن يقول:

«أنا هنا.»

وببطء، تحولت الجملة من رد عابر إلى وعد لا يعلنه أحد. صار «أنا هنا» مكانا يعودان إليه حين يضيق بهما العالم.


كان يتحدث معها بينما البيت نائم. يحكي لها عن أبيه دون أن يذكر اسمه، عن الدكان، عن أخيه، وعن إحساسه الدائم بأن عليه أن يكون قويا حتى عندما لا يبقى فيه شيء من القوة.


قالت له ذات مرة:

— أنت لا تحب أن ينقذك أحد.

— عشان ما اتعودتش.

— لا. عشان اتعودت تكون أنت المنقذ، وبقيت شايف إن احتياجك ضعف.


صمت سالم.

— زعلت؟

— لأ. بس إنت بتشوفي حاجات أنا نفسي مش شايفها.

— يمكن عشان أنا بعيدة.

— يمكن عشانك مش مستنية مني حاجة.


كان ذلك أول اعتراف حقيقي بينهما، رغم أنه لم يتضمن كلمة حب.


في البيت، بدأت المسافة تكبر. لم تكن زوجته تعرف اسم حنين، لكنها عرفت أن هناك شخصًا آخر يأخذ من سالم الجزء الذي كان يعود به إليها قديما. لم تفتش هاتفه، ولم ترفع صوتها. اكتفت بأن تتراجع قليلًا، كما يتراجع شخص عن باب أدرك أن صاحبه لم يعد يفتح له.


قالت له ذات مساء:

— أنت بقيت بتضحك للموبايل، وبتدخل البيت بوش تاني.


تجمد سالم.

— مفيش حاجة.

— أنا ما قلتش في حاجة. قلت إنك بقيت بعيد.

— أنا تعبان.

— كلنا تعبانين يا سالم. بس مش كلنا بنختار نلاقي راحتنا بره البيت.


لم يكن اتهامها ظالمًا. ولهذا لم يستطع الدفاع عن نفسه.


في الجهة الأخرى، كانت حنين تخوض معركتها الخاصة. لم تحكِ لسالم تفاصيلها، لكنه شعر بثقل في كلماتها. كانت تخاف من التعلق، وتكره أن تمنح أحدا مفتاحا لغرفتها الداخلية. كلما اقتربت منه، حاولت أن تضع مسافة، ثم عادت إليه حين تكتشف أن المسافة تؤلمها أكثر.


قالت له يوما:

— إحنا بنعمل إيه؟

— بنتكلم.

— لا، الكلام خلص من زمان.

— أمال إيه؟


تأخرت في الرد، ثم كتبت:

— بقينا بنعيش جزء من يومنا هنا.

أغلق سالم الهاتف، لكنه لم يضعه بعيدا. كان يعرف أنها محقة. لم يعد حديثهما شيئًا يفعله في وقت الفراغ، بل صار نمط حياة. يبدأ يومه وهو يفكر في رسالة لها، وينهيه وهو ينتظر آخر كلمة منها. كان وجودها لا يطالبه بشيء، لكنه كان يمنحه شيئا لم يعرف كيف يطلبه: أن يكون سالم، لا الأخ الأكبر، ولا الزوج، ولا الموظف، ولا الرجل الذي يحمل البيت فوق كتفيه.


وفي أحد الأيام، أرسلت له حنين رسالة لم تفعلها من قبل:


«لو اختفيت يوما، هتدور علي؟»


كتب:

«هفضل أدور لحد ما ألاقيك.»

«حتى لو ما كانش من حقك؟»


«مش كل حاجة بنعملها عشان من حقنا. في حاجات بنعملها عشان ما نقدرش نعمل غيرها.»


لم ترد طويلًا.


ثم كتبت:

«خايفة إننا بقينا محتاجين بعض أكتر من اللازم.»


ظل سالم أمام الرسالة، وقد أحس للمرة الأولى أن الطريق الذي دخلاه دون قصد، لم يعد سهل الرجوع منه.


في اليوم نفسه، تلقى اتصالًا من منصور الجبالي.


— معاك أسبوع واحد يا سالم.

— أسبوع لإيه؟

— تسدد أو تجهز البيت للبيع.

— عندي أوراق تثبت إن الحساب مش زي ما بتقول.


ضحك منصور.

— الأوراق وحدها ما تكفيش. لازم تعرف مين هيسندك.

— أنا مش محتاج حد يسندني.

— دي أكبر غلطة عملتها طول عمرك. كل واحد محتاج حد يسنده، حتى لو كابر.


انتهت المكالمة، وبقيت الجملة معلقة في رأس سالم. في المساء، فتح الدفتر الأسود وقلب صفحاته. وجد خلف الصفحة الأخيرة قصاصة صغيرة، مكتوبا عليها عنوان بريد إلكتروني قديم، وتحت العنوان كلمة واحدة:


«حنين».

تراجع سالم كأن الورقة لسعته.

ظل الاسم أمام عينيه، ثم فتح المحادثة على هاتفه. كتب:


«اسمك الحقيقي حنين؟»


جاء الرد بعد دقائق:

«أيوه.»

«حنين إيه؟»

تأخر الرد هذه المرة طويلًا.

«إنت ليه بتسأل دلوقتي؟»

«لقيت اسمك في ورقة عند أبويا.»


ظهرت علامة الكتابة، ثم اختفت. عادت، ثم اختفت مرة أخرى.


وأخيرا وصلت رسالة واحدة:


«سالم، لازم نتقابل.»

شعر بأن قلبه سقط في مكان لا يعرفه.


كتب:

«إنتِ تعرفي أبويا؟»

لم تجب.

اتصل بها، فظل الهاتف يرن دون رد. أعاد الاتصال، ثم أرسل رسالة. لم تظهر علامة القراءة.


في الصباح، وجد سالم أخاه الأكبر أمام باب البيت. كان يحمل الدفتر نفسه، أو نسخة منه، ووجهه أكثر اضطرابا من أي وقت مضى.


قال:


— لازم تعرف الحقيقة قبل ما تقابلها.

— تقابل مين؟

— حنين.

لم يتحرك سالم.


أكمل أخوه:

— الاسم ده مش غريب على أبويا. حنين كانت بنت الراجل اللي منصور خد منه الدكان زمان. وأبويا كان شاهد على حاجة حصلت بينهم. لو هي ظهرت دلوقتي، يبقى أكيد عرفت إن الدفتر موجود.


— إنت متأكد؟

— أنا متأكد إن أبويا كتب اسمها قبل ما يموت. ومتأكد إن منصور بيدور عليها من سنين.


في اللحظة نفسها، اهتز هاتف سالم برسالة جديدة من حنين. لم تكن رسالة طويلة، بل صورة لمكان قديم: بوابة حديدية صدئة، وخلفها مبنى مهجور يشبه مخزنًا خارج المدينة.


تحت الصورة كتبت:


«لو عايز تعرف أبوك كان مخبي إيه، تعالى لوحدك الليلة.»


قرأ سالم الرسالة مرة، ثم مرة ثانية. كان يعرف أن الذهاب إليها قد يهدد بيته، وأن عدم الذهاب قد يدفن الحقيقة إلى الأبد. كان يعرف أن حنين لم تعد مجرد صوت يزوره من خلف شاشة، وأن غيابها صار قادرًا على إفساد يومه، وحضورها صار قادرًا على قلب حياته.


رفع عينيه إلى أخيه وقال:


— إنت كنت تعرفها قبل كده؟

ارتبك أخوه، ولم يجب.


في تلك اللحظة فهم سالم أن الدفتر لم يكن يخفي دينًا فقط، وأن حنين لم تدخل حياته مصادفة، وأن كل كلمة قالاها لبعضهما ربما كانت تقود إلى هذه اللحظة منذ البداية.


في الليل، وقف أمام المرآة طويلًا. رأى رجلًا أنهكته المسؤولية، لكنه لم يعد يعرف أي مسؤولية يقصد. مسؤولية البيت؟ أم الحقيقة؟ أم قلبه الذي وجد في حنين مكانا لم يعد يستطيع أن يغادره؟


وصلته رسالة أخيرة منها:


«أنا مستنياك. بس لو جيت، كل حاجة هتتغير.»


وضع سالم يده على مقبض الباب، ثم توقف.


من خلفه، كانت زوجته تقف في الممر، تحمل هاتفه الذي تركه على الطاولة.


قالت بصوت هادئ، لكنه لم يكن هدوءا مطمئنًا:

— رايح لها؟

لم يسألها كيف عرفت. لم ينكر. ولم يجد في داخله الجملة القديمة التي كان يستخدمها كلما ضاق عليه السؤال: «مفيش حاجة».


قال فقط:

— رايح أعرف الحقيقة.

نظرت إلى عينيه، ثم إلى الباب.

— أوقات الحقيقة بتكون اسم تاني للخيانة يا سالم.


انخفضت يده عن المقبض.

وفي اللحظة نفسها، وصلته رسالة من رقم مجهول:

«لو خرجت من البيت، مش هتلاقي حنين هناك... هتلاقي أخوك.»


ظل سالم واقفا بين الباب والهاتف، بين المرأة التي شاركته سنواته، والفتاة التي شاركته ما لم يقله لأحد، وبين ماض يطالبه بالحساب وحاضر لم يعد يملك السيطرة عليه.


فتح الرسالة مرة أخرى.

ثم رفع عينيه إلى زوجته، لكنه لم يقل شيئا.

وخارج البيت، توقفت سيارة سوداء أمام الباب.


يتبع في الجزء الرابع...

اضف تعليق

أحدث أقدم