بقلم: فاطمة تمراز
حكاية طفل كان يخفي جبينه كلما ضحك
و رسمة واحدة كشفت ما عجز عنه الكلام.
دخل الأطفال إلى فصلهم كعادتهم لتبدأ الحصة الأولى، وكانت حصة الرسم. تعالت ضحكات التلاميذ وهم يفتحون دفاترهم، إلا طفلاً واحداً كان يجلس وحيداً في المقعد الأخير. كان يبدو عليه الحزن، يضع يده فوق جبينه كلما حاول أن يبتسم. لم تكن المشكلة في ابتسامته، بل ظهرت في البيت الذي رسمه.
سألته المعلمة عن اسمه، فأجاب بصوت خافت: ياسين.حيث كان طفلاً نحيلاً، هادئاً أكثر مما ينبغي. لا يرفع يده ليجيب عن أى سؤال، ولا يتشاجر مع زملائه كعامة الاطفال، ولا يطلب الذهاب إلى أي مكان، حتى دورة المياه لا يطلبها إلا همساً منخفضاً يتدو عليه الزلة والإنكسار.
في ذلك اليوم، طلبت المعلمة من التلاميذ أن يرسم كل واحد منهم بيته:رسم عمر بيتاً كبيراً تحلق فوقه الطيور مليئ بالزينه والأساس الفاخر والضيوف وموائد الطعام الشهى،بينما ورسمت مريم بيتاً صغيراً به اساسا بسيط وحديقة مليئة بالأزهار.
أما ياسين، فرسم مربعاً مغلقا من جميع الجهات، بلا باب. وفي داخله، وضع نقطة صغيرة وكتب تحتها كلمة واحدة: "أنا".
اقتربت منه المعلمة وسألته برفق:"أين باب البيت يا ياسين؟"
نظر إليها بابتسامة حزينة يظهر عليها الإنكسار والخوف ترجف اصابع يده النحيلة قائلاً:
"البيت ليس له باب".
لم تكن تلك الجملة شكوى، كانت اعترافاً:مما دفع المعلمة أن تبحث مع الأخصائية الاجتماعية حالة الطفل لمتابعة ولكن الأخصائية الاجتماعية قالت، لم تجد آثار ضرب واضحة على جسده، لكنها لاحظت آثاراً أخرى أعمق؛ فهو يعتذر إذا مر بجانب أحد، ويرتجف إذا ارتفع الصوت، يخبئ جبينه دائماً في دفتره بسرعة إذا اقترب منه أحد.
أصرت المعلمة على زيارة منزل هذا التلميذ بصحبة الأخصائية الاجتماعية، وهناك رأت مشهداً مألوفاً. أب في الثلاثينيات من عمره، عامل بسيط يعود مرهقاً من عمله، وأم بسيطة تخفض صوتها حتى لا يكاد يسمع الزوج ضوضاء.
قال الأب بلهجة يتباهى بها،أنا لا أعذبة بل اربيه لكى ينشف ويصبح رجلاً يواجه الحياة نحن تعرضنا للضرب كثيراً وخرجنا رجالاً"،لم يكن الأب مجرماً في عين نفسه، بل كان ضحية سابقة تحولت إلى جلاد حالي. ورث العنف كما ورث الاسم، معتقداً أن القسوة هي التربية.
قالت له المعلمة بهدوء ورسوخ ليس، بلهجة لوم بل تشرح له التربية الصحيحة قائلاً،يا أستاذ، اليد التي ترفعها عليه اليوم لا يخاف منك، هي نفس اليد التي سيبحث عنها غداً ليطمئن بها، ولن يجدها. أنت لا تربي رجلاً، أنت تربي خوفاً يمشي على قدمين".
صمت الرجل طويلاً. لم يكن أحد قد قال له ذلك من قبل:لم يكن الهدف عقاب الأب، بل إنقاذ الأسرة كلها. تعلم الأب أن الرجولة ليست في الصوت العالي ولا فى الضرب بل فى التفاهم والحوار، وتعلمت الأم أن الصمت ليس حماية بل ضعف يقتل حياة اسرتها كلها، وتعلم ياسين شيئاً صغيراً لكنه عظيم: أن من حقه أن يرفع يده دون خوف.
وبعد شهرين، في الفصل الدراسي الثاني، طلبت المعلمة من التلاميذ مرتا اخر أن يرسموا بيوتهم ، وكانت تترقب رسم ياسين باهتمام.
رسم ياسين نفس المربع، لكنه هذه المرة فتح فيه باباً واسعاً، ورسم شمساً صغيرة فوقه، ورسم طفلاً يقف خارج المنزل، لا داخله.
العبرة من القصة أن العنف لا يربي رجالاً، بل يربى الخوف في الجسد والعقد فى الانفس فطفل اليوم رجل الغد،فربوا اولادكم على القوة والمواجهة حتى لا يصبح الخوف سجنا يقتل مجتمع باكملة،الكلمة الطيبة باب مفتوح للنور.

إرسال تعليق