بقلم: فاطمة تمراز*
كنتُ أكتب عني، ولم أكن أكتب عنهم.
هناك، في شرفة الطابق الرابع بعمارة قديمة تطل على مسجد عتيق وشارع عمومي لا يهدأ، كانت تجلس كل عصر. فتاة جميلة تسم نورا، تفتح دفترها مع اقتراب الغروب، و تقرأ ذكرياتها كأنها تعيد ترميم قلبها.
كانت تظن في البداية أنها تعد قائمة أصدقائها المقربين، لكنها أدركت متأخرة أن ما تكتبه لم يكن قائمة، بل كان سجلاً ذكرياتها المؤلمة.
كم مرة نصحوني أن الصداقة مواقف، وأن الحب سمة لا تحتاج إلى تفسير أو تبرير.
كان لديها أصدقاء كثيرون، كانت تحكي لهم نورا كل شيء.. موعد نومها، طعامها، ساعات راحتها، جلستها مع أهلها، و زياراتها أقاربها. لكنها حين ابتعدت، لم يسأل عنها أحد. لم يفتقدوا وجودها أو كتاباتها ولا رسائلها.
*الحقيقة المرعبة*
وبينما هي غارقة في قراءة دفترها، والشمس تغرب و الأذان يرتفع، ودفتر القلوب الصغيرة لا يزال في يدها، تكتشف الحقيقة المرعبة.
تتذكر صديقتها المقربة التي كانت تحبها كثيراً، تغلق الدفتر بسرعة وترفع هاتفها تتصل بها، لتجد أن الرقم لم يعد موجوداً.. لقد غيرت رقمها دون أن تخبرها.
في نفس اللحظة، يتسلل إلى ذاكرتها طيف حبيبها.. ذاك الذي أحبها بصدق، ووعدها بالزواج مراراً، ثم ابتعد دون عذر، وحظرها وتهرب منها أكثر من مرة. تكتشف فجأة أنهما اختفيا معاً.
*الصدمة*
يقطع شرودها صوت ينادي: "نورا.. أين أنتِ يا نورا؟"
تدخل أمها وتقول لها ما يصدمها:
"قابلت أم سارة في السوق اليوم. صديقتك سارة وزميلكم أحمد تزوجا منذ عام، و رُزقا بطفلة جميلة اسمها روان. زوجها هو أحمد عادل، زميلكم في الثانوية العامة."
هنا فقط أدركت..انى لم أكن اسجل عيوبهم بل كنت اسجل أعذارا للهروب.
نعم، لقد ابتعدوا عني دون أن يخبرونى بالسبب، وأنا كنت أقدم لنفسي الأعذار وأقول إن أهلي هم من أبعدونى عنهم.
في تلك اللحظة، أغلقت الدفتر لأول مرة دون أن تشعر بالوحدة. عرفت أن الصداقة كانت مزيفة، وأن الشرفة لم تعد مكاناً للذكريات.
*العبرة*
من يقدم لك الأعذار دائماً، هو في الحقيقة يتهرب منك. ومن يرد عليك متأخراً، فلديه من يشغله غيرك.
فلا تنتظر أن يخرجوا من حياتك.. اخرج أنت بسلام، وكرامة.

إرسال تعليق