بقلم/ د.لينا أحمد دبة
في عالمٍ يمتلئ بالضجيج والصراعات والتغيرات المتسارعة، يبحث الإنسان عن السلام في كل مكان؛ في العلاقات، في النجاح، في الاستقرار المادي، وحتى في الأماكن البعيدة التي يظن أنها ستمنحه الطمأنينة. لكنه كثيرًا ما ينسى حقيقة بسيطة وعميقة: أن السلام الحقيقي لا يُستورد من الخارج، بل يُولد أولًا في الداخل.
السلام الداخلي ليس رفاهية نفسية، ولا حالة مؤقتة من الهدوء، بل هو توازن عميق بين العقل والقلب، بين ما نشعر به وما نواجهه. هو القدرة على الوقوف بثبات وسط العواصف، دون أن نفقد أنفسنا.
يبدأ السلام الداخلي عندما يتصالح الإنسان مع ذاته. عندما يتوقف عن جلد نفسه بسبب أخطاء الماضي، ويدرك أن التعثر جزء من الرحلة، لا نهايتها. فكل إنسان يحمل ندوبًا خفية لا يراها الآخرون، لكن تحويل الألم إلى وعي هو الخطوة الأولى نحو الطمأنينة.
ومن أهم مفاتيح هذا السلام التقبّل؛ تقبل ما لا يمكن تغييره، والعمل بشجاعة على تغيير ما نستطيع. فالصراع المستمر مع الواقع يستنزف الروح، بينما يمنحها التقبّل مساحة للتنفس.
كما أن السلام الداخلي يتطلب أن يتعلم الإنسان وضع الحدود. ليس كل معركة تستحق أن نخوضها، وليس كل نقاش يستحق أن ننتصر فيه. أحيانًا يكون الانسحاب حفاظًا على هدوء القلب أعظم انتصار.
ولا يمكن الحديث عن السلام دون أن نذكر التسامح. فالحقد يشبه حمل حجر ثقيل في القلب؛ يؤلم صاحبه أكثر مما يؤلم غيره. عندما نسامح، لا نُبرّئ من أخطأ بحقنا، بل نحرر أنفسنا من سجن المشاعر السامة.
السلام الداخلي أيضًا مرتبط بالامتنان. أن يرى الإنسان ما لديه لا ما ينقصه، أن يقدّر النعم الصغيرة قبل الكبيرة؛ لحظة هدوء، شخص صادق، أو حتى القدرة على البدء من جديد. الامتنان يحوّل العادي إلى كافٍ، والكافي إلى وفرة.
لكن الحقيقة الأعمق هي أن من لا يعيش السلام داخله، لن يستطيع نشره حوله. فالقلوب القلقة تزرع القلق، والنفوس المطمئنة تنشر الطمأنينة دون كلام. لذلك تبدأ المجتمعات المسالمة بأفرادٍ متوازنين، يعرفون كيف يديرون غضبهم، ويختارون الحوار بدل العنف.
السلام الداخلي لا يعني غياب المشكلات، بل يعني امتلاك القوة لمواجهتها دون أن تنكسر أرواحنا. هو أن تبقى في قلبك مساحة من الضوء، حتى عندما يطول الظلام.
تذكّر دائمًا:
لست بحاجة إلى عالمٍ مثالي كي تشعر بالسلام، بل تحتاج إلى قلبٍ يعرف كيف يهدأ وسط الفوضى.
فابدأ بنفسك
تصالح معها، اعتنِ بها، وامنحها ما تستحق من رحمة. لأن السلام الذي يسكن داخلك اليوم، قد يكون غدًا سببًا في سلام عالمٍ كامل.

إرسال تعليق